الأمل الأخير للمحاسبة.. ماذا تعرف عن قضاء العدالة الانتقالية؟

الترا تونس – انطلقت هيئة الحقيقة والكرامة منذ شهر مارس/آذار 2018 بإحالة عديد الملفات التي تتضمن عشرات المتهمين في ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وجرائم ضد الإنسانية على الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية المنتصبة بالمحاكم الابتدائية، وذلك بهدف ضمان المحاسبة والمساءلة وعدم إفلات المسؤولين عن الانتهاكات زمن الاستبداد من العقاب. ومن المنتظر أن تواصل الهيئة إحالة الملفات طيلة الأشهر القادمة.

الترا تونس يقدم لكم أهم ما يجب أن تعرفه حول القضاء المتخصّص في العدالة الانتقالية:

ماهي خصوصية هذا القضاء؟

تمثل العدالة الانتقالية مسارًا خصوصيًا لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان في زمن الاستبداد بعيدًا عن القضاء العادي، وبذلك يوجد أيضًا قضاء مختصّ لمعالجة هذه الانتهاكات يختلف عن معايير القضاء العادي ومنها بالخصوص عدم سقوط الدعاوى من مرور الزمن وهو الحاجز الذي حال دون تتبع عديد الجلادين بعد الثورة عبر القضاء العادي.

وتكتسي خصوصيات هذا القضاء المختص صبغة دستورية، إذ نص الفصل 149 من دستور 2014 على أنه تلتزم الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها والمدة الزمنية المحددة بالتشريع المتعلق بها ولا يقبل في هذا السياق الدفع بعدم رجعية القوانين أو بوجود عفو سابق أو بحجية اتصال القضاء أو بسقوط الجريمة أو العقاب بمرور الزمن. وهذا هو الفرق الجوهري بين القضاء العادي وقضاء العدالة الانتقالية.

توجد 13 دائرة قضائية متخصصة في العدالة الانتقالية بكل المحاكم الابتدائية بتونس تضم قضاة لم يشاركوا في محاكمات ذات صبغة سياسية

ونصّ الفصل 8 من قانون العدالة الانتقالية، في هذا الإطار، على إحداث دوائر قضائية متخصّصة بالمحاكم الابتدائية المنتصبة بمقار محاكم الاستئناف. وقد تم إحداث 13 دائرة بكلّ من المحاكم الابتدائية في تونس، وسوسة وصفاقس، وقابس والقصرين، وسيدي بوزيد، وبنزرت، والكاف، وقفصة، والقيروان، ومدنين، والمنستير ونابل.

وقامت هيئة الوقتية للقضاء العدلي في نوفمبر/تشرين الثاني 2015 بتسمية قضاة هذه الدوائر والذي اشترط قانون العدالة الانتقالية أن يقع اختيارهم من بين من لم يشاركوا في محاكمات ذات صبغة سياسية. ولكن تعطّل انطلاق عمل هذه الدوائر مع تأخر انطلاق برامج تكوين القضاة، إذ يفرض قانون العدالة الانتقالية أيضًا خضوعهم لتكوين خصوصي في مجال العدالة الانتقالية.

اقرأ/ي أيضًا: فيصل بركات… قتلوه تعذيبًا ثم قالوا “حادث مرور”!

وقد أشرفت لاحقًا الأمم المتحدة عبر البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة والمفوضية السامية لحقوق الإنسان بالشراكة مع هيئة الحقيقة والكرامة على عقد دورات تكوينية للقضاة. كما شملت هذه الدورات المحامين بالشراكة مع الهيئة الوطنية للمحامين وذلك نظرًا لخصوصية الإجراءات ومعايير التتبع والإثبات في مجال العدالة الانتقالية.

وقد بدأت هذه الدوائر في تلقي الملفات من هيئة الحقيقة والكرامة منذ شهر مارس/آذار الماضي، إذ تلقت الدائرة المتخصصة في قابس أول ملفّ يعود للشهيد كمال المطماطي الذي مات تحت التعذيب سنة 1991.

ماهو مجال اختصاص هذا القضاء؟

تنظر هذه الدوائر المتخصصة في القضايا المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان على معنى الاتفاقيات الدولية المصادق عليها وعلى معنى أحكام قانون العدالة الانتقالية. وقد نص الفصل 8 من هذا القانون بالخصوص على انتهاكات القتل العمد، والاغتصاب وأي شكل من أشكال العنف الجنسي، والتعذيب، والاختفاء القسري، والإعدام دون توفر ضمانات المحاكمة العادلة.

كما تتعهد هذه الدوائر بالنظر في الانتهاكات المتعلقة بتزوير الانتخابات وبالفساد المالي والاعتداء على المال العام والدفع إلى الهجرة الاضطرارية لأسباب سياسية المحالة عليها من هيئة الحقيقة والكرامة.

اقرأ/ي أيضًا: كمال المطماطي.. الوفاة تحت التعذيب والجثة تبحث عن قبر

كيف تقع إحالة الملفات؟

تقوم هيئة الحقيقة والكرامة بدراسة الملفات الواردة عليها والتي تغطي الفترة الممتدة من 1955 إلى 2013، وهي الولاية الزمنية للعدالة الانتقالية، ثم تحيل وفق استراتيجية التتبع عددًا من هذه الملفات إلى القضاء، ولكن بعد القيام بالطور التحقيقي داخل الهيئة.

إذ ينصّ دليل إجراءات لجنة البحث والتقصّي بهيئة الحقيقة والكرامة على وجود مكاتب تحقيق يرأسها قضاة، تقوم بأعمال التحقيق، كما يفعل قاضي التحقيق في القضاء العادي، إذ يصدر بعد إتمامها قرار ختم تحقيق يصادق عليه مجلس الهيئة، وإثر ذلك تتم إحالة الملف على وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية المختصّة ترابيًا الذي تقوم بصفة آلية بإحالة الملف على الدائرة القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية.

تقوم هيئة الحقيقة والكرامة بأعمال التحقيق وفق استراتيجية للتتبع ثم تحيل الملفات للدوائر القضائية التي تتولى محاكمة المتهمين

وقد استقبلت هيئة الحقيقة والكرامة، في الأثناء، نحو 60 ألف ملفًا ولكن لن تحيل على القضاء وفق ما أعلنته سابقًا إلا الملفات المستجيبة لمعايير استراتيجية التتبع، فليس كلّ ملف يتضمن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان سيكون مآله القضاء.

وقد أفاد نائب رئيس الهيئة محمد بنسالم في مقال نشره موقع الهيئة قبل أسابيع أنه سيتم التركيز في الملفات المحالة على مؤاخذة وتتبّع المسؤولين الأعلى درجة في سلسلة القيادة أو المورّطين في عديد الانتهاكات، مع ضمان مقاربة شمولية وتمثيلية لمختلف الانتماءات والمناطق الجغرافية والحقبات التاريخية بما يعكس مختلف مظاهر واقع الانتهاكات في تونس من سنة 1955 إلى 2013 بالإضافة لجميع الانتهاكات المتعلقة بنفس الأحداث أو الوقائع أو المسؤولين عنها في ملف واحد ضمانًا لنجاعة المساءلة والمحاسبة. وأكد على الحرص على إحالة الملفات التي تتوفر فيها أدلّة الإثبات الكافية لتوجيه الاتهام إلى القائمين بالانتهاك.

ما هو الهدف من القضاء المختص؟

تهدف العدالة الانتقالية إلى كشف حقيقة انتهاكات حقوق الإنسان ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر ضرر الضحايا ورد الاعتبار لهم بما يحقق المصالحة الوطنية ويحفظ الذاكرة الجماعية ويرسي ضمانات عدم تكرار الانتهاكات. وينص الفصل 15 من قانون العدالة الانتقالية بأنه “لا تعني المصالحة الإفلات من العقاب وعدم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات”. فيما نص الفصل 6 من ذات القانون بأنه “تتمثل المساءلة والمحاسبة في مجموع الآليات التي تحول دون الإفلات من العقاب أو التفصي من المسؤولية”.

الفصل 15 من قانون العدالة الانتقالية: لا تعني المصالحة الإفلات من العقاب وعدم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات

وقد وردت الأحكام المنظمة للدوائر القضائية المتخصصة في باب “في المساءلة والمحاسبة” في قانون العدالة الانتقالية، إذ يُراد من القضاء المتخصص إصدار أحكام قضائية ضد المسؤولين الذين تورطوا في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وذلك ضمانًا لعدم الإفلات من العقاب وقبل المرور إلى مرحلة المصالحة.

وكشفت هيئة الحقيقة والكرامة حتى الآن أنها أحالت عديد الملفات لعديد الضحايا على غرار كمال المطماطي، ورشيد الشماخي، ونبيل بركاتي وفيصل بركات وهؤلاء ماتوا تحت التعذيب بين 1987 و1991، وقد تضمنت لوائح الاتهام عشرات المتهمين من بينهم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ووزراء سابقين، وقيادات أمنية رفيعة وقضاة.

ومن المنتظر أن تحيل الهيئة ملفات على جميع الدوائر القضائية المتبقية في كل تراب الجمهورية، وبما يمسح مختلف أصناف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ومختلف الحقبات التاريخية زمن الاستبداد.

المصدر الترا تونس