حق الردّ:  الهيئة أحالت 69 لائحة اتهام و 104 قرار إحالة قبل 01 جانفي 2019

في خرق فادح لأخلاقيات المهنة والتقاليد الصحفية، نشرت “المفكرة القانونية” حق رد هيئة الحقيقة والكرامة على ما ورد في مقال منشور على الموقع من مغالطات، مخفي بين تعقيبين على الرد مع تحريف عنوانه وحذف الهوامش، خلافا لما نص عليه الفصل 39 و 40 من المرسوم  115 لسنة 2011 مؤرخ في 2 نوفمبر 2011 يتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر.

وهذا ما يؤيد ان هذا الموقع مسخر من ماكينة التضليل الإعلامي، ولهذا نعيد نشر حق الرد لإنارة الرأي العام وتصويبا لما تم نشره من مغالطات:

حق الرد :  الهيئة أحالت 69 لائحة اتهام و 104 قرار إحالة قبل 01 جانفي 2019

تتابع هيئة الحقيقة والكرامة باستغراب ما دأبت عليه المفكرة القانونية مؤخرا من اتخاذ مواقف منحازة ومعادية تجاه تجربة العدالة الانتقالية في تونس للتعبير عن وجهات نظر شخصية لخصوم الهيئة[1] استغل أصحابها المساحة المتاحة لهم في مجلة فكرية محترمة مثل المفكرة القانونية[2] بما يتعارض تماما مع الأهداف التي رسمتها المفكرة لنفسها والمتمثلة في “رصد القوانين والسياسات العامة في لبنان وتدريجياً في المنطقة العربية، من أجل تحليلها ومراجعتها من وجهات نظر نقدية”[3]. وللأسف فإن تناول دراسة مخرجات تجربة العدالة الانتقالية في تونس من قبل المفكرة القانونية ابتعد كل البعد عن مقاربة النقد الموضوعي.

ويتأكد ذلك في مقالكم الأخير غير الممضي تحت عنوان “في خرق جديد لمبادئ المحاكمة العادلة في تونس :هيئة الحقيقة والكرامة تغرق الدوائر المتخصصة بملفات لم يتم البحث فيها” ويحتوي هذا المقال عددا من المغالطات والأحكام المتسرعة والمعلومات الفاقدة للمصداقية تنمّ عن استخفاف كاتبها بالاحتياطات المهنية الدنيا – منها ضرورة التثبّت من المعلومات لدى المصدر (مصالح هيئة الحقيقة والكرامة او المسؤول عن النفاذ الى المعلومة ) – وقد ارتقى المقال في بعض جوانبه إلى التضليل الإعلامي كما تورّط في الازدراء من هيئة رسمية ممّا يرشّحه للسقوط تحت طائلة التتبع القضائي بمقتضى الفصل 66 من القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013.

إنّ كاتب المقال جانب الحقيقة بادعائه بأنّ هيئة الحقيقة والكرامة أحالت للدوائر القضائية المختصة ملفات “بتاريخ لاحق لانتهاء أعملها” وبأنّ هذه الملفات «… خلت عموما من أبحاث التحقيق» وبأنّها قد بدت «…مخالفة لشروط “المحاكمة العادلة” ومبدأ قرينة البراءة».

لذلك، وبغرض انارة الحقيقة ومدّ قرائكم بمعطيات دقيقة وأمينة وعملا بحق الرد نفيدكم بما يلي:

  • ان جميع الملفات، إلى حد كتابة هذه السطور، احيلت على الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية قبل غرة جانفي 2019 وان جميع قرارات الإحالة على الدوائر صدرت عن مجلس الهيئة قبل تاريخ 31 ديسمبر 2018. واحالت الهيئة من الــ62720 شكوى التي اودعت لديها 69 لائحة اتهام شملت 1120 ملف وجهت التهم فيها لـ1426 منسوب اليه الانتهاك، كما احالت 104 قرار إحالة شمل 583 ملف، وهو ما وصفه الكاتب بــــ”إغراق الهيئات بالملفات” ! ! ! هذا ما يؤكد ان الهيئة لم تحل سوى الملفات التي “ثبت” لديها ارتكاب انتهاك جسيم او ممنهج لحق من حقوق الانسان او ارتكاب فساد مالي واعتداء على المال العام طبقا لمقتضيات القانون الأساسي للعدالة الإنتقالية.

ونذكر بان الهيئة أصدرت في 27 فيفري 2018 قرار تمديد في عهدتها بسنة كما ينص عليه الفصل 18 من القانون (من 31 ماي 2018 الى 30 ماي 2019 ) على ان تسعى الى انهاء اعمالها الفنية يوم 31 ديسمبر 2018 وتقوم في المدة المتبقية من عهدتها بتنفيذ اعمالها الختامية خلال مدة التصفية (نشر تقريرها الختامي و تسليم قرارات جبر الضرر للضحايا و غلق القوام المالية تحت اشراف مراقب الحسابات…) وهذا ما فعله مجلس الهيئة.

  • اقتضى الفصل 42 من القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 أنه “تحيل الهيئة إلى النيابة العمومية الملفات التي يثبت لها فيها ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان ويتم إعلامها بكل الإجراءات التي يتم اتخاذها لاحقا من قبل السلطة القضائية …” وتنفيذا لذلك فأن جميع الملفات التي تمت إحالتها على السادة وكلاء الجمهورية تضمنت اثباتات وادلة كافية[4] تفيد ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وقد تم عرض تلك الملفات على مجلس الهيئة الذي، بعد اطلاعه عليها وعلى مؤيداتها، وما توصلت إليه الأبحاث فيها، قرر إحالتها على الدوائر المتخصصة للتعهد بها.

كما ينطبق الفصل 42 على الملفات التي لم تستكمل إجراءات التحقيق بسبب عدم التوصل بالوثائق في الآجال (أي أجال 31 ديسمبر) من الوزارات وخاصة وزارة الداخلية والمحكمة العسكرية والأجهزة التي ينتمي إليها المنسوب إليهم الانتهاك رغم توجيه عديد المراسلات من رئاسة الهيئة في الغرض وبسبب رفض المكلف العام لنزاعات الدولة التعامل مع الهيئة. وقد قرّر مجلس الهيئة، ضمانا لحقوق مودعي الملفات، إحالة عددا من هذه الملفات مرفقة بالأدلة التي تثبت وقوع الانتهاك في شكل “قرار إحالة” على الدوائر المتخصصة للتعهد بها وممارسة صلاحياتها الاستقرائية بإصدار أحكام تحضيرية وبتعيين قاضي مقرر للقيام بالأبحاث والاختبارات اللازمة مثل ما نص عليه الفصل 143 من مجلة الإجراءات الجزائية الذي نص على أنه:” للمحكمة أن تكلف أحد أعضائها بإجراء بحث تكميلي وفي هذه الصورة تؤخر القضية إلى أجل مسمى“. ويمكن بالتالي للدوائر الجنائية المتخصصة في العدالة الانتقالية استكمال الأبحاث في الملفات التي أحيلت عليها من هيئة الحقيقة والكرامة وذلك حفاظا على حقوق الدفاع وحقوق الضحايا وسعيا لكشف الحقيقة ومساءلة ومحاسبة الجناة.

  • كما تجدر الإشارة الى ان لوائح الاتهام التي تمت إحالتها استكملت فيها أعمال التحر ي والتحقيق مع احترام حق الدفاع ومبدأ المواجهة وقرينة البراءة وتضمنت “الوقائع واسبابها وظروفها ومصدرها والملابسات المحيطة بها والنتائج المترتبة عليها” كما جاء بالفصل 4 من قانون العدالة الانتقالية، وكيفت فيها الانتهاكات بصفة مزدوجة استنادا إلى القانون الإنساني الدولي والقانون الجزائي التونسي. وتعد لوائح الاتهام نموذجا يأسس لفقه قضاء جديد – كان من الاجدى تحليله من خبراء في القانون – يضفي على القرارات القضائية التونسية بعد انساني منسجما مع الدستور التونسي الجديد ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي حدد مفهوم الجرائم ضد الإنسانية والذي صادقت عليه الجمهورية التونسية بموجب مرسوم 18 فيفري 2011 ثم الأمر عدد 2011 / 549 المؤرخ في 14 ماي 2011.

كما أدخلت الهيئة في لوائحها تمشي النزاع الاستراتيجي (le litige stratégique) الذي يعمل على تطوير اتجاه فقه القضاء بما يساهم في تعديل طرق تطبيق المعيار والمبادئ القانونية بشكل يضمن الاحترام الكامل لحقوق الإنسان.

  • وعملا بأحكام الفصل 39 من القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المنظم للعدالة الانتقالية الذي ينص على واجب “تحديد مسؤوليات أجهزة الدولة” في هذه الانتهاكات، عاينت الهيئة أن وزارتي الداخلية والدفاع، بحكم امتلاكهما لحق استعمال القوّة العامّة، من أهم أجهزة الدولة التي صدر عن مختلف تفرعاتها والفرق الأمنية والعسكرية الراجعة لها بالنظر انتهاكات جسيمة أو ممنهجة لحقوق الانسان تضاف اليهما الإدارة العامة للسجون والإصلاح الراجعة بالنظر لوزارة العدل. وفي هذا الإطار نشير إلى أنّ الهيئة وجّهت التهمة لـ1426 منسوب اليه انتهاك انتفعوا كلهم بحق الدفاع و مبدأ المواجهة ما عدى الذين رفضوا المثول لدى وحدة التحقيق بالهيئة بالرغم من بلوغ عديد الاستدعاءات اليهم. واثارت هذه الاحالات حفيظة المنظومة القديمة المتورطة في جرائم ضد الإنسانية والتي تخفت للإفلات من العقاب وراء بعض نقابات امنية التي بعد ان دعت منخريطيها إلى عدم الاستجابة للإستدعاءات الصادرة عن هيئة الحقيقة والكرامة” تجرئت الى التهديد، بتاريخ 7 جانفي الجاري، “بمقاطعة تأمين جميع جلسات” القضاء المتخصص في العدالة الانتقالية بالمحاكم الابتدائية ووجدت في بعض “المثقفين” الذين يحنون للاستبداد حليفا في التجرؤ على تهديد القضاة. كما وجدت في سياسيين مدافعين عن الاستبداد حلفاء لهم في تقديم مبادرة تشريعية لإلغاء الفصل 8 من قانون العدالة الانتقالية وحل الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية.

وتتساءل الهيئة ما الذي يخيف كاتب المقال؟ ان تحفظ التهمة لعدم كفاية الحجة؟ ام ان يتم محاسبة الجلادين الذين مارسوا ابشع أنواع التعذيب وتمكينهم من الافلات من العقاب؟ في ظاهره يحاول كاتب المقال التزيّن بنصرة القضاء العادل وبالغيرة على استقلاليته لكنه في واقع الأمر ينتصب كوصي فوق القضاء المتخصص في العدالة الانتقالية للتشكيك في قدرته على قراءة الملف والتثبت من المؤيدات والقيام بالاستقراءات طبق القانون واصدار قراره والنطق به وفقا للقانون.

ليطمئن قلب الكاتب! فإن الهيئة توصلت إلى جمع ما يكفي من الأدلة والحجج على ثبوت وقوع الانتهاكات. هل الكاتب يشكك في احترام الدوائر القضائية لمعايير المحاكمة العادلة مثل ما فعلت بعض النقابات الامنية؟ فان سير الجلسات القضائية التي انطلقت منذ ربيع 2018 في النظر في الملفات المحالة من الهيئة لا تنبأ بأي مؤشر يبعث عن القلق والتخوف من الانزلاق في مخاطر المحاكمة غير العادلة بل العكس هو الصحيح.

إذا هذا التشكيك له نتيجة وحيدة، هي ان يسلط على الضحايا مظلمة ثانية بعد المظالم التي سلطت عليهم من المستبد، وهي مواصلة منع وصولهم للقضاء وهي غلق الباب امام آخر امل لهم في الانصاف كما هو غلق الباب امام الشعب التونسي في ان يكون له قضاء مستقل يردع الإفلات من العقاب ويمَكّن من اصلاح مؤسسات الدولة.

 

رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة

سهام بن سدرين

 


 

[1] اودعت الهيئة لدى القضاء شكوى جزائية ضد السيدة عفاف النحالي التي هي المصدر الأساسي لهذه المقالات المغرضة.

[2]  “على خلفية ما عدّه القضاة هرسلة لهم: هيئة الحقيقة والكرامة توضح وتعتذر” (2019-01-11)

” آخر أفعال هيئة الحقيقة والكرامة التونسية: استدعاء قضاة لتحقيق عاجل في شكايات فساد “(2019-01-02)

“تقييم سلبي لأداء هيئة الحقيقة والكرامة في تونس: تقييم موضوعي للهيئة أم لخيارات العدالة الانتقالية” (2018-12-24)

[3]  مأخوذ من موقع المفكرة

[4]  انظر الفصل 116 من م إ ج حول توفر ذلك الشرط لدى دائرة الاتهام لإحالة الملف على الدائرة الجنائية.