حق الرد: لو فشلت آلية التحكيم والمصالحة لحماها غلاة الفساد داخل طوق من النسيان - Instance Vérité et Dignité

حق الرد: لو فشلت آلية التحكيم والمصالحة لحماها غلاة الفساد داخل طوق من النسيان

حق الرد الذي رفض موقع الصباح نشره:

لو فشلت آلية التحكيم والمصالحة لحماها غلاة الفساد داخل طوق من النسيان

بعد التحية،

اشكركم على اهتمامكم بمسار العدالة الانتقالية، مثلما ورد بالمقال المنُشور على موقعكم بتاريخ 21 أفريل 2020 تحت عنوان “أموال الشعب.. عبثت بها هيئة سهام بن سدرين.”  إلاّ أنّنا نرى انه من الضروري تقديم التوضيحات الموالية التي أطلب منكم نشرها لضمان الحدّ الأدنى من النزاهة والجدية في التعاطي مع المعلومة بما ينير القراء ويضيّق المجال على تسرّب المنحى التضليلي، مقصود كان أم عفوي.

يشكّل مسار العدالة الانتقالية تجربة فريدة من نوعها في تاريخ تونس، حيث لم يسبق لتونس أن أرست مثل هذا الهيكل بمثل هذه المهمة المتمثلة في تصفية تركة الاستبداد وانصاف الضحايا واحداث المصالحة الوطنية عبر اصلاح مؤسسات الدولة لضمان عدم التكرار.

توسّع مقالكم في انتقاد خيارات الانتقال الديمقراطي وفي مؤاخذة المشرّع على إحداث آلية التحكيم والمصالحة باعتبار أن [الفاسدين] “وجدوا في العدالة الانتقالية طوقا للنجاة من التتبعات من خلال بعض التنازلات حيث يُرمى ببعض فتات ثرواتهم للدولة في إطار اتفاقيات صلح هزيلة” كما تجاهر اصحاب المقال بمعاداة “آلية العدالة الانتقالية التي دفعت إليها قوى سياسية نافذة بعد الثورة”. إلاّ أنّه يتعذّر علينا الخوض في هذا الجانب حتى لا نفسح المجال لمؤاخذتنا على حرصنا في تطبيق القانون والدستور وانجاز عهدتنا. لذا سنتقيّد حصريا بالتفاعل مع تقييم أداء هيئة الحقيقة والكرامة التي قامت بتشييد المؤسسة لبنة لبنة وسعت إلى إرساء مناخ من الشفافية والحوكمة الرشيدة وما انفكت تدخل التطويرات لتجاوز النقائص التي ظهرت في إجراءاتها وتطبيقاتها.

ما من شك أن إدارتنا لآلية التحكيم والمصالحة – مثلها مثل بقية أعمال الهيئة – هو عمل بشري يستدعي الفحص والتقييم وهو ليس خال من الأخطاء، ونحن مقتنعون أن المردود كان بالإمكان أن يكون أفضل. غير أن هذا الإقرار لا يبرّر فتح باب التجنّي والافتراء على أعمال هيئة الحقيقة والكرامة وتشويه مقاصدها وضرب التجربة التونسية في العدالة الانتقالية.

وهذه بعض التوضيحات التي من شأنها رفع اللبس على مزاعم تضليلية طالت هيئة الحقيقة والكرامة:

  • توضيح رقم 1: التزوير والتطاول على المؤسسات الرقابية واستبلاه القراء

نسب المقال لتقرير دائرة المحاسبات، الذي خص مراجعة أداء هيئة الحقيقة والكرامة، ما لم يحتويه ؛ إذ يتسنّى للجميع التثبّت بالرجوع إلى التقرير الرسمي المنشور على موقع المؤسسة والصادر في 30 افريل 2019 أنّه لا يتضمّن “ملاحظة رقم 361″ ولا المقطع المذكور بالمقال : ” أنه تبيّن للفريق الرقابي تعهّد رئيس اللجنة وزوجته بالملف المذكور وذلك من خلال وضع تأشيرتي مكتب الزوجة ومكتب رئيس اللجنة كشريك بشركة التوفيق للمحاماة على الملف التحكيمي”.

كما يهمّنا التذكير بالبلاغ الذي أصدره الرئيس الأول لدائرة المحاسبات بتاريخ 29 مارس 2019  – في سابقة ملفتة – للتباين مع التسريبات والتأويلات التي سبقت صدور التقرير وحاولت التأثير على المحكمة. وكل ما عاينته الدائرة في تقريرها الرسمي لا يتجاوز سقف إخلالات وأخطاء تصرّف التي لا ترتقي إلى الفساد حسب تصريح الرئيس الأول في الندوة الصحفية التي عقدها بمناسبة صدور هذا التقرير.

ولسائل أن يتساءل عن مغزى الاستشهاد بأعمال المؤسسات الرقابية للخروج عن نطاقها والشروع في تلفيق افتراءات واتهامات لم تتناولها مراجعة دائرة المحاسبات مثل الحديث عن ‘المسار العبثي’ وحصول “مقايضة” و”مساومة” والادعاء بوقوع “مجاملات في الصلح وفي المبالغ” ووجود “شبكات اشتغلت بتناغم لقبر الحقيقة وهدر كرامة التونسيين بإنصاف جلاديهم”… والخطير في الأمر أنّ من شأن هذا الأسلوب (بصرف النظر عن مدى ملاءمته مع اخلاقيات العمل الصحفي) أن يرمي جميع الآليات الرقابية للدولة بالتواطئي.

  • توضيح رقم 2 : لقد بتّ مجلس الهيئة في موضوع التجريح في رئيس لجنة التحكيم والمصالحة وعيّن نائبة الرئيس للإشراف عليها

إنّ الوجاهة والإنصاف يقتضيان تمكين القارئ من الاطلاع على ردود هيئة الحقيقة والكرامة على المآخذ المتعلقة بشبهة تضارب المصالح التي طالت أعمال لجنة التحكيم والمصالحة وما اعتبرته دائرة المحاسبات “تأخيرا” في البت في طلب التجريح الذي تقدّم به رئيس اللجنة السيد خالد الكريشي في شخصه بتاريخ 3 نوفمبر 2017 طبق للفصل 61 من قانون العدالة الانتقالية والمنشورة في أعقاب تقرير الدائرة (ص43-45) حيث جاء فيها :

“في الجلسة العامة المنعقدة بتاريخ 28 ماي 2018 نظر المجلس في موضوع تجريح رئيس اللجنة في نفسه في “ملفات التحكيم والمصالحة المتعلقة بالفساد المالي التي يكون المكلّف العام بنزاعات الدولة طرفا فيها وذلك بسبب علاقة الشراكة المهنية بمكتب محاماة التي كانت تربطه بوزير أملاك الدولة والشؤون العقارية حينها”، إلا أن المجلس قرّر قبول التجريح في الملفات التحكيمية التي يكون موضوعها الفساد المالي والاعتداء على المال العام. وتم تعويضه بنائبة رئيس لجنة التحكيم والمصالحة التي ترأست الجلسات التحكيمية”…”إن في كل هذه الإجراءات التي تم اتخاذها من مجلس الهيئة تكريسا لمبدأ الشفافية في أعمال لجنة التحكيم والمصالحة وعلى حياد كافة أعضاءها وكل القرارات التحكيمية التي تم إصدارها من مجلس الهيئة تم بعد النقاش والتداول فيها بين كافة أعضاء المجلس باستثناء هذا العضو [أي خالد الكريشي]”.

كما يتسنى التذكير بأنّ مجلس الهيئة هو الجهة الوحيدة (لا لجنة التحكيم والمصالحة ولا رئيسة الهيئة) التي قامت بالبتّ في القرارات التحكيمية المتعلّقة بالفساد المالي قبل أن تكسيها محكمة الاستئناف بالصبغة التنفيذية. إن وثائق القرارات التحكيمية المنشورة في سجلات محكمة الاستئناف بتونس تثبت ذلك.

  • توضيح رقم 3: إبرام الاتفاقيات المبدئية للصلح هو إجراء ثنائي بين طالب التحكيم والمكلف العام بنزاعات الدولة ودور الهيئة محكم بين الأطراف

خوّل قانون العدالة الانتقالية للمورطين في فساد مالي اللجوء إلى آلية التحكيم وعقد صلح مع الدولة شريطة الإقرار الكتابي والاعتذار وبيان الوقائع التي أدّت إلى استفادة غير شرعية وقيمة الفائدة المحقّقة (فصل46 من قانون العدالة الانتقالية)

تجاهل المقال معطى أساسي وهو أنّ الاتفاقية المبدئية التي تسمح للجنة التحكيم بالانطلاق في إجراءاتها تمضى بين طالب التحكيم والمكلف العام بنزاعات الدولة وليس مع رئيس اللجنة، وتتعهد اللجنة بالملف بناء على هذه الاتفاقية المبدئية (الفصل 46 من قانون العدالة الانتقالية). ولا يمكن لللجنة النظر في الملف إلا بعد موافقة الضحية أي الدولة (الفصل 26 من النظام الداخلي) في إطار الاتفاقية المبدئية. وهذا ما أدّى إلى عدد محدود من الاتفاقيات مقارنة بعدد الملفات التي تقدم بها المكلف العام بنزاعات الدولة في البداية باسم الدولة كمتضررة. ويتضمن مطلب التحكيم القبول المسبق واللا مشروط بالقرار التحكيمي واعتباره غير قابل لاي وجه من اوجه الطعن او الابطال (فصول 46 و50 من القانون),

ومن المهم التذكير بأن الهيئة في الأصل تقوم بدور محكم بين الأطراف. وكان على المكلف العام احضار حججه وأدلته وتأثيث ملفاته بوصفه محام الدولة. الا أن الملفات التي تقدم بها كانت خالية من مؤيدات وأن المكلف العام لم يمكننا حتى من نسخ الملفات المحالة أمام القضاء.

كما امتنع قضاة التحقيق بالقطب القضائي المالي عن تمكين الهيئة من حقها في نسخ الملفات موضوع تعهدها المنشورة امامهم. وكلفت الهيئة بعض الخبراء لإنجاز تقارير اختبار لملفات المعروضة أمامها والمقدمة من المكلف العام لنزاعات الدولة، إلا أنهم اعتذروا عن إنجاز هذه الاختبارات لعدم ترخيص قضاة التحقيق المتعهدين سابقا بهذه الملفات لهم. هذا ما دفع الهيئة الى تشكيل فريق من الخبراء داخلها ليقوموا بالبحث والتحليل المالي واقتراح على المجلس معايير تقييم الضرر الذي حصل للدولة في ملفات الفساد المعروضة على التحكيم.

  • توضيح رقم 4 : مبالغ التعويض المذكورة في المقال من محض الخيال

فيما يتعلّق بالمبالغ، تجدر الإشارة إلى أنّ المكلف العام طالب في الجلسة 3 ماي 2018 مبلغ مالي قدره 50 مليون دينار في ملف السيد الازهر اسطى الذي قبل بالمبلغ. وفوّضت اللجنة النظر لمجلس الهيئة الذي رفض العرض باعتبار أنّه لا يقابل الاضرار التي حصلت للدولة حسب الاثباتات التي قدمها المحلّلون الماليون التابعين للهيئة وأقرّ في جلسته العامة بتاريخ 24 ديسمبر 2018 تحديد قيمة التعويض بــ115 مليون دينار.

أمّا فيما يخصّ اتفاقية التحكيم التي ابرمت مع السيد سليم شيبوب، فمزاعم وجود تقديرات تعويض بقيمة 5000 مليون دينار لا تستند على أي دليل. لقد تقدم المكلف العام بجدول طلبات يحتوي على مبلغ 1200مليون دينار. وعند مناقشته في إطار اللجنة مع الطرف الثاني، اتضح انه قام بجمع العناصر المتعلقة بصخر الماطري وتلك التي تهم سليم شيبوب. فتراجع عن مقترحه وطلب من اللجنة مده بالجدول الذي أعده المحللون الماليون التابعون للهيئة وكان الأمر كذلك، كما مدت الهية المكلف العام باللائحة التي تحتوي على المعايير التي تستعملها لتقييم التجاوزات والأضرار الحاصلة للدولة قبل البت في ملفات الفساد المالي التي كانت الدولة طرفا فيها. وفي بعض النقاط طالبت الهيئة المكلف العام بتقديم مؤيدات (خاصة أرض ملف شركة نوتردام) لارتباطها بملفات أخرى إلا أنه رفض. وتوصّلت الهيئة، وفق الاثباتات التي تمكنت منها كما ينص على ذلك الفصل49 من القانون، إلى تحديد قيمة الضرر للدولة بمبلغ 307 مليون دينار واصدرت قرارها بتلك القيمة.

وفيما يخص القرار التحكيمي المتعلق بالسيد عماد الطرابلسي، فقد عقدت لجنة التحكيم والمصالحة 26 جلسة تحكيمية تغيّب المكلف العام بنزاعات الدولة في 12 منها بعدما أبرم اتفاقية مبدئية بتاريخ 09 ماي 2018. ثمّ تغيب منذ 12 جويلية 2018 عن جميع الجلسات التي خصّصت للتفاوض على الأضرار الحاصلة للدولة.

وحيث ساهم طالب التحكيم في تفكيك منظومة الفساد خلال جلسة الاستماع العلنية بتاريخ 19 ماي 2017 وقدّم اعتذاره الصريح للشعب التونسي طبقا لمقتضيات الفصل 46 واستوفى بذلك لجميع الشروط القانونية، قرّر مجلس الهيئة بجلسته المنعقدة بتاريخ 27 ديسمبر 2018 أنْ يدفع طالب التحكيم مبلغا جمليا قدره 235.408.592,414 دينار قيمة التعويض على الأضرار المادية والمعنوية الحاصلة للدولة التونسية.

كما تقرّر أنْ تتحمّل الشركات المصادرة قيمة الشيكات والخطايا موضوع القضايا ضد طالب التحكيم (والذي حُكم من أجلها بأكثر من مئة سنة سجن) وتُخصم كل هذه المبالغ من قيمة الأملاك المصادرة في تاريخ المصادرة. وذلك باعتبار ان هذه الشيكات ليست بدون رصيد بل برصيد مجمّد وكان على المتصرّف القضائي أنْ يسدّد هذه المبالغ من الأرصدة المجمّدة لعماد الطرابلسي مثلما فعل لتسديد الأجور المستحقة لأجراء هذه الشركات المصادرة وفق ما يقتضيه الفصل 6 من المرسوم عـــــــــــــــ13ــــــــــــــدد المؤرخ في 14 مارس 2011 المتعلّق بمصادرة أموال وممتلكات منقولة وعقارية، كما لم تطبق لجنة المصادرة الفصل 7 من المرسوم والقاضي بتحرير تقرير يبين قيمة الأملاك المصادرة بعد خصم الديون. وإنّ رفض استخلاص هذه الشيكات ومستحقات الدائنين كان من باب التنكيل المنافي لقواعد العدل والانصاف.

  • توضيح رقم 5 : تعاملت الهيئة مع موضوع المصادرة المدنية طبق القانون والمعايير الدولية

لقد اسست الهيئة موقفها في موضوع الأملاك المصادرة بالاعتماد على المعايير الدولية في المصادرة المدنية والتي تعتبر المصادرة إجراء تحفظيا إلى حين صدور قرار نهائي عن هيئة قضائية أو هيئة مستقلّة بعد أن يتاح للشخص المعني بالمصادرة تقديم دفعاته أمامها واستبيان الأموال المكتسبة بصورة مشروعة وفرزها عن الأموال المنهوبة، وهذا لم يحصل من قبل لجنة المصادرة.

وبالرجوع خاصة إلى التوصيات الصادرة عن مجموعة العمل المالي الدولية  (FATF) المعنية بالإجراءات المالية المتعلقة بغسل الأموال والملزمة للدولة التونسية بصفتها عضوا في هذا الهيكل الأممي ومصادقة على توصياته، والتي تنصّ على : “أن انتقال الملكية لا يتحقّق بمجرّد صدور المرسوم وإنما رهين استعمال لجنة المصادرة لصلاحيات التقصّي والتتبّع لفرز الأموال المكتسبة بصورة مشروعة عن الأموال المنهوبة وتمكين الأشخاص المصادرة أموالهم من حق الدفاع”.

كما استندت الهيئة الى فقه القضاء الإداري وخاصة الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية  بتاريخ 5 جويلية 2017  في القضية عدد 134914 القاضي بإلغاء قرار المصادرة المطعون فيه وعلّلت المحكمة قرارها بضرورة أنْ  “تراعى الإجراءات أمام لجنة المصادرة مبدأ المواجهة الذي يقتضي سماع المعنيين بالأمر وتمكينهم من حق الدفاع بالإدلاء بحججهم وبياناتهم”

وحيث صدر عن هيئة الحقيقة والكرامة، بوصفها هيئة شبه قضائية تتمتّع بالاستقلالية، قرار تحكيمي بدفع المبلغ المستوجب وتم اكتساءه بالصبغة التنفيذية وبٌني على جرد الممتلكات التي مصدرها غير شرعي.

ولذا كان قرار الهيئة بخصم قيمة الأملاك المصادرة تطبيقا للمبدأ الذي يقتضي عدم معاقبة الشخص مرتين لنفس الأفعال. والادعاء بان هذه القرارات يجعل طالب التحكيم لا يدفع شيء للدولة، هو من باب التمويه ومناف للحقيقة حيث قيمة الأموال المصادرة لا تتجاوز 20 % من المبالغ المطلوبة للتعويض للدولة، وذلك صالح لكل الملفات.

  • توضيح رقم 6 : المصداقية المهزوزة لبطلة التشهير

يتعيّن التذكير بأن السيدة ابتهال عبد اللطيف هي التي أشرفت على الجلسات التحكيمية المخصصة لمعالجة ملفات الفساد المالي وبت المجلس في هذه الملفات خلال فترة اشرافها على اللجنة ( سليم شيبوب : 30 ماي 2018، الازهر اسطى: 2 ديسمبر 2018 ، سليم زروق: 25 ديسمبر 2018، لبنى  عموس: 28 ديسمبر 2018، محمد الطويل: 28 ديسمبر 2018، عماد الطرابلسي 28 ديسمبر 2018…)  بما فيها تلك التي نظرت في ملف السيد الازهر اسطى، كما تثبته محاضر جلسات اللجنة الموقّعة من طرفها  منذ بداية شهر ماي 2018 والتسجيلات السمعية البصرية التي توثّق هذه الجلسات. وعلى هذا الأساس فإن السيدة عبد اللطيف هي المسؤولة عن أي شكل من اشكال “الفساد” أنْ وُجد.

والغريب في الامر أنّها تقدّمت برسالة “استقالة من لجنة التحكيم والمصالحة” أودعتها بمكتب الضبط لهيئة الحقيقة والكرامة بتاريخ 31 ديسمبر 2018، على الساعة السادسة مساء!!! أي بعد حلّ لجنة التحكيم عند انهاء مهامها، وفي اليوم الاخير لأعمال مجلس الهيئة الذي صادق فيه على حلّ نفسه مع منتصف الليل دون أن يتداول في موضوع هذه “الاستقالة” الغريبة التي لم تطلب المعنية إدراجها في جدول اعمال الهيئة ! لتنخرط السيدة عبداللطيف في حملات تشويهية مسترسلة ضد هيئة الحقيقة والكرامة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ السيدة عبداللطيف لم تفعّل آلية التجريح في زميلها السيد الكريشي (ولم يقم بذلك غيرها من أعضاء الهيئة) على معنى الفصل 61 من قانون العدالة الانتقالية الذي ينص : “وعلى رئيس الهيئة وأعضائها التصريح بكل تضارب مصالح طيلة فترة العضوية بالهيئة”.

وللمرء أن يتساءل عن حقيقة دوافعها ومصداقية استهدافها للهيئة التي شاركت في أعمالها. كما نشير أيضا إلى قرار مجلس الهيئة في جلسته المنعقدة يوم 17 أكتوبر 2017 بإجماع أعضائه بإدانتها من أجل “ارتكاب أفعال تمسّ من اعتبار الهيئة والاخلال الخطير بالواجبات المحمولة عليها بموجب الفصل 37 من القانون الأساسي”، حيث سُلّطت عليها عقوبة بإيقافها عن العمل لمدة شهر وحرمانها تبعا لذلك من منحها الشهرية وجميع الامتيازات المتعلّقة بمدّة إيقافها عن العمل. ذلك بعد ان أصدر المجلس بلاغ بتاريخ 8 سبتمبر 2017 يحملها مسؤولية التواطئي في محاولة ايقاف جلسات الاستماع العلنية.

كما نشير الى ان الهيئة تقدّمت ضدها بين 2017 و2019 بثلاثة قضايا جزائية جاري النظر فيها من بينها قضية فساد مالي.

  • توضيح رقم 7 :تجنّدت وزارة أملاك الدولة لتعطيل آلية التحكيم على خلفية قانون المصالحة.

وثّقت هيئة الحقيقة والكرامة في تقريرها الختامي مراحل امتناع مؤسسة المكلّف العام عن التعاون مع الهيئة على فصل الــ685 شكاية التي تقدّم بها بتاريخ 15 جوان 2015 في حق الدولة كمتضرّرة، غير أنّه تشبّث لأشهر طويلة في المماطلة وتولّى ممثلوه تأجيل ما يفوق 1000 جلسة في الغرض، وانجرّ عن ذلك إطالة في آجال المداولة في تلك الملفات من قبل اللجنة التي أُجبرت على الاكتفاء بتحرير محاضر تأجيل متكررة بطلب من المكلف العام. كما أحجم المكلف العام على تمكين الهيئة من الاثباتات والمؤيّدات التي بحوزته والمفيدة في معالجة الشكايات التي أودعها لدى الهيئة وفق ما يستوجبه القانون.

إنّ هذا التعامل تزامن مع إصرار الرئيس الراحل الباجي قائد السيسي على تمرير مشروع قانون المصالحة الاقتصادية الذي أعلن عنه في 20 مارس 2015 والذي واجه ردود فعل قوية من قبل المجتمع المدني (حركة مانيش مسامح) وبعض الاحزاب وبعد لجوء الهيئة إلى لجنة البندقية التي قدّمت رأيها الاستشاري أثناء دورتها الـ104 القاضي بتضارب هذا المشروع مع قانون العدالة الانتقالية.

تمكّنت الحكومة من تمرير صيغة معدّلة من المشروع حيث صادق مجلس نواب الشعب (الاغلبية الحاكمة) على قانون المصالحة الإدارية في سبتمبر 2017 الذي يضمن الإفلات من العقاب لمن تورّط في الاعتداء على المال العام. والغريب في الامر أنّ الآلية المنبثقة عنه والتي تشتغل منذ ذلك التاريخ في غياب تام للشفافية وبعيدا عن اهتمام الإعلاميين ولا تطالها انتقادات بـ”التبييض للفاسدين” ولا يستطيع أحد تقييم مردودها في “استرجاع الأموال المنهوبة” كما روج لها.

وعلى خلفية التمتع من الافلات من العقاب، تراجع بعض طالبي التحكيم والمصالحة (خاصة إطارات عليا بالدولة سابقا) ممن أضرّوا بالدولة عن استكمال ملفاتهم في إطار التحكيم والمصالحة مّما حرم الدولة من كشف أساليب الفساد والمتورّطين في ذلك وجبر الأضرار اللاحقة بها جراء تجاوزاتهم.

من جهته، تراجع المكلف العام عن إبرام اتفاقية مبدئية في الصلح لاسترجاع الأموال المنهوبة مع كل من صخر الماطري وبلحسن الطرابلسي اللذان تقدما بطلب للهيئة وفوّت على الدولة نصيبا من الأموال المنهوبة تقدّر بمئات ملايين الدنانير حيث يعد الاثنان من أكبر المعتدين على المال العام في عهد زين العابدين بن علي. وهذا ما بينته الهيئة بالوثائق الملحقة في بلاغها الصادر في 10 افريل 2019  بعنوان “الحكومة فوتت على الدولة استرجاع الأموال المنهوبة“.

وصرح المكلف العام بنزاعات الدولة القاضي لزهر الجويلي المعفى من مهامه نهاية جانفي 2017 (اي أسابيع قليلة بعد مباشرته لها) خلال ندوة صحفية عقدها في شهر ماي 2017 ان “مؤسسة المكلف العام بنزاعات الدولة كانت في قلب التوظيف السياسي في سياقات مختلفة لتحقيق بعض المصالح الخاصة” وان ذلك هو سبب خلافاته مع كاتب الدولة لأملاك الدولة والشؤون العقارية أنذاك، السيد مبروك كرشيد، معتبرا أن إصلاح هذه المؤسسة يمرّ عبر تكريس استقلاليتها و”التعاطي معها بمنطق الدولة وليس السلطة”. وبقيت المؤسسة بدون مكلف عام إلى حدود شهر فيفري 2018 أي خلال 16 شهر حيث عين السيد علي الهمامي على رأسها. والجدير بالذكر أنّ خلال شغور المنصب بقيت المؤسسة تحت التسيير المباشر للسيد مبروك كرشيد.

وختمت وزارة أملاك الدولة هذا التمشي السلبي بتوجيه مراسلة للهيئة بتاريخ 31 ماي 2018 لتبلغها بإيقاف المفاوضات لجميع الاتفاقيات التحكيمية المبرمة. مما دفع الهيئة الى تطبيق الفصل 46 من القانون بإصدار قراراتها التحكيمية في غياب المكلف العام الذي وجهت له الهيئة استدعاء لحضور تلك الجلسات.

  • توضيح رقم 8 : هيئة الحقيقة والكرامة لم يعهد لها استخلاص الأموال المنهوبة

لقد انبثق عن الانتقال الديمقراطي عدد من الآليات أُوكلت لها مهمة استرجاع الأموال المنهوبة مثل القطب القضائي المالي ولجنة التحاليل المالية، ولجنة المصادرة وخاصة لجنة استرجاع الأموال المنهوبة التي تأسّست بمقتضى المرسوم عدد 15 المؤرخ في 26 مارس 2011 ولكنّها لم تحقق الأهداف المنوطة بعهدتها بالرغم من التكاليف الباهظة لأتعاب مكاتب المحاماة في الخارج التي لم يشملها أي تدقيق. علما وإنها قد انتهت مدّتها في مارس 2016 ومنذ ذلك التاريخ أصبح كلّ ما يتعلّق بها في عهدة مؤسسة المكلف العام بنزاعات الدولة.

من جهتها نظّمت هيئة الحقيقة والكرامة يوم 19 فيفري 2015 جلسة عمل بين هذه الأطراف بحضور الهيئة الوطنية لمقاومة الفساد من أجل إحداث تناغم في عمل كل المتدخلين الرسميين في مجال استرجاع الأموال المنهوبة إلا انّ التنسيق بين الأطراف المتداخلة لم يجتاز طور النوايا الحسنة.

ورغم ذلك، واصلت الهيئة مجهوداتها في إطار مجال عملها وتوصّلت إلى إصدار قرارات تحكيمية من شأنها تمكين الدولة من استرجاع ما قيمته 745.162.615,267 دينار. أمّا إجراءات استخلاص الأموال المسترجعة فهي موكولة للمصالح الحكومية والجهة “الأكثر حرصا” بالقانون، وهي مصالح وزارة أملاك الدولة. وتجدر الإشارة إلى أنّ المكلّف العام عطّل عملية تنفيذ الاستخلاص لخزينة الدولة عبر قيامه بقضية في الطعن في هذه القرارات أمام محكمة الاستئناف بتونس في بداية 2019 بالرغم من ان القانون صريح وينص الفصل 50 من القانون: “يعتبر القرار التحكيمي نهائيا غير قابل لاي وجه من اوجه الطعن او الابطال او دعوى تجاوز السلطة” ولذا أصدرت المحكمة قرارها برفض الطعن شكلا في اكتوبر 2019.

وإذ نعتبر انه من المشروع بذل جهود لتوقيع الصلح في إطار القانون، لا نفهم في المقابل التعامل التفاضلي في ملف المصادرة ودوافع حكومة يوسف الشاهد التي طلبت – منذ جانفي 2018 – من الاتحاد الأوروبي إزالة السيد مروان مبروك من قائمة الأشخاص الخاضعين لتجميد أصولهم بموجب نظام عقوبات الأموال المنهوبة وقدمت ضمان الدولة لذلك. واستجاب الاتحاد الأوروبي برفع التجميد عن أرصدته التي تبلغ 7.454.347 يورو، واصبحت بعد تنفيذ هذا الطلب في جانفي 2019 قائمة الاشخاص المجمد أصولهم 47 عوضا عن 48. مع الملاحظة ان السيد مروان مبروك لم يتقدم باي طلب صلح بالرغم من انه كان مطلوب في إطار الملفات التي اودعها المكلف العام في حق الدولة كضحية. واستشار الاتحاد الأوروبي الهيئة في 2 مارس 2018 في موضوع رفع التجميد على السيد مبروك، فأبدت الهيئة رأيا سلبيا في رفع العقوبات بشكل استثنائي وخارج إطار التحكيم والمصالحة. كما أحالت الهيئة بتاريخ 31 ديسمبر 2018 الملفات المتعلّقة بالسيد مروان مبروك على الدوائر القضائية المتخصصة، وذلك بعد رفضه الاستجابة لاستدعاءاتها.

وتجدر الإشارة إلى أن السيد مروان مبروك متورّط في انتهاك إضافي متعلق بالفساد المالي والاعتداء على المال العام، والمتمثّل في استرجاع أسهمه في شركة Orange رغم قرار المصادرة حيث تحصّل على امتياز من المشرف على لجنة التصرف في الأملاك المصادرة سنة 2013، ممّا أدى الى إيداع شكاية من الأطراف المتضررة لدى المحكمة الإدارية طالت آجال فصلها.

  • توضيح رقم 9 : الهيئة أحالت على القضاء المتخصص ملف فساد متعلّق بـالكرامة هولدينغ.

اكتشفت هيئة الحقيقة والكرامة، خلال معالجتها لبعض الملفات شبهة فساد تتعلّق بالتصرّف في الأملاك المصادرة من قبل الكرامة هولدينغ وأحالت هذا الملف إلى الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية بتاريخ 31 ديسمبر 2018. أما الغريب في الامر ان المكلف العام بنزاعات الدولة امتنع عن الحضور خلال الجلسة الأولى لهذه الدائرة يوم 3 أكتوبر 2019 مّما اضطر رئيس المحكمة للتصريح في افتتاح الجلسة انه لا توجد ضحية في قضية الحال بمعنى ان الدولة متخلية عن حقها.

  • الملاحظة رقم 10 : مَنْ تساءل عن مآل الشكايات التي أودعها المرحوم عبد الفتاح عمر لدى القضاء منذ قرابة التسع سنوات؟

يتعمّد منتقدي العدالة الانتقالية تجاهل خصوصياتها والظرفية التي أوجبت إحداثها. إنها آلية لتسريع الفصل في جانب من النزاعات الناتجة عن تركة الاستبداد لتخفيف كاهل القضاء العادي من عشرات الآلاف من الملفات التي قد تستنزف امكانياته المادية والبشرية مثلما يبينه مآل مئات الشكايات التي أودعها المرحوم عبد الفتاح عمر يصفته رئيس “لجنة تقصي الحقائق حول الفساد والرشوة” حيث لم يفصل معظمها بعد ما يقارب التسع سنوات من إيداعها لدى القضاء العادي ثم تكفل بها القطب القضائي المالي.

إن العدالة الانتقالية لا تبحث عن الانتقام بقدر ما هي تسعى الى استخلاص العبر لتفكيك منظومة القمع والفساد من أجل إصلاح المؤسسات لضمان عدم التكرار. ولقد توصلت هيئة الحقيقة والكرامة إلى تفكيك منظومة الفساد، وهو ما ضمنته بمجلد في تقريرها الختامي الذي واجه تعتيما مقيتا ولم تُعرض توصياتها للدراسة والفحص والتداول.

  • الملاحظة رقم 11: تُكمّم رئيسة الهيئة بعدما نُسبت لها تهما أخطر ممّا طال جَمْعُ الفاسدين قاطبة

إن المقال تعمّد تكويم أشنع النعوت الموجّهة للهيئة ومسيّريها من قبل مَنْ هبّ ودب مِنْ “كفاءات التشهير” مستهترا بواجب التثبت في صحة ما ينقله ومتجاهلا شهادات الأعضاء الذين سخّروا جهدهم في الذود عن المسار إلى النهاية وتحلّوا بالمسؤولية التاريخية للسهر على اتمام المأمورية وهم الأغلبية. كما أصرّ أصحاب المقال على حرمان رئيسة الهيئة من الحدّ الأدنى من مساحة التعبير عن أراءها ومواقفها أمام التهم الخطيرة التي كالوها لها، ضاربين عرض الحائط بواجب التوازن وعدم الانحياز المحمول على الصحفي المهني!

إنّه ليس لدينا ما نخشاه أو ما نخفيه. لقد حصّنتنا ضمائرنا إزاء الإغراءات وتشبعنا بقداسة عهدتنا وانشرحنا لالتفاف المدافعين عن المسار من المجتمع المدني حول الهيئة واستماتتهم في حمايته. ولم نكترث بالثروة، مثلما يمكن للجميع الاطلاع على ذلك ضمن التصريح على المكاسب الذي قمنا به في نهاية العهدة عند مصالح الهيئة الوطنية لمقاومة الفساد.

إن كل الشرفاء من أعضاء الهيئة وإطاراتها يفتخرون بما انجزته هيئتهم في معالجة تركة الاستبداد والفساد رغم المناخ المعادي. هذا الانجاز الذي جعل لوبيات المنظومة القديمة وحلفائهم الجدد يوجهونا بحملات تشويه متلاحقة للتمويه على الرأي العام قصد التمهيد لمشروعهم الحقيقي ألا وهو ضرب مسار المساءلة القضائية الجاري أمام الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية ومنها القضية عدد 31 التي سيستأنف النظر فيها خلال الشهر القادم والمحال فيها 20 من كبار المسؤولين في عهد بن علي والمقربين منه.

سهام بن سدرين

رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة