حوار لرئيسة الهيئة في جريدة الشارع المغاربي - Instance Vérité et Dignité

حوار لرئيسة الهيئة في جريدة الشارع المغاربي

سؤال الشارع المغاربي: التقرير المدلسالمضر بمصالح الدولة التونسية  ، هكذا وُصف تقرير هيئة الحقيقة والكرامة بخصوص قضية البنك الفرنسي التونسي ، ما هو ردك على ذلك وعلى دعوة ابتهال عبد اللطيف رئاسة الحكومة لعدم نشره بالرائد الرسمي وقولها ان التقرير مدلس ويضر بمصالح الدولةوفيه شبهات فساد .

سهام بن سدرين: لا أجيب على ادعاءات من احترف الكذب والتظليل. ان وجد “تدليس” فالفصل فيه هو من اختصاص القضاء وليس السلطة التنفيذية، و من المضحك ان “التدليس” متهمة به الهيئة التي هي مصدر التقرير.

اما نشر التقرير بالرائد الرسمي فهو التزام قانوني بمقتضى الفصل 67 من القانون المنظم للعدالة الانتقالية. وانا اتفهم ضجيج لوبيات منظومة الاستبداد والفساد وحلفائهم الجدد، طالبين عدم نشر التقرير الختامي للهيئة لانه عاين الانتهاكات التي تورطوا فيها وأوصى بجملة من الاصلاحات التي تحصن الدولة و تحول دون ارتكابهم من جديد هذه الانتهاكات  والتلاعب باجهزة الدولة لإخضاعها لمصالحم الضيقة.

الشارع المغاربي:  ما هو ردكم على تحذير الوزير السابق سليم بن حميدان من نشر التقرير بالرائد الرسمي وتشديده على ان في ذلك ادانة لحكومة الترويكا بجميع وزرائها ومنهم الفخفاخ وانتحار سياسي لحركة النهضة ؟

سهام بن سدرين:الهيئة ليس لها دخل في الشأن السياسي كما انها  غير مسؤولة عن قلة الكفاءة لمن تولى المسؤولية الاولى في معالجة هذا النزاع بعد الثورة وهو وزير املاك الدولة. والهيئة مطالبة قانونا بالبحث والتقصي في كل الانتهاكات في حق الدولة التي قام بها موظفون سامون تصرفوا باسمها وآساؤو لها من جويلية 1955 الى ديسمبر 2013 .

احالت هيئة الحقيقة والكرامة على أنظار الدائرة المتخصصة للعدالة الانتقالية في المحكمة الابتدائية بتونس بتاريخ 31 ديسمبر 2018 لائحة اتهام تتضمن المرجع 69 وتتعلق بالانتهاكات التي ارتكبها كبار المسؤولين في قضية البنك فرنسي التونس(BFT) مظروفة بالاستدعاءات التي وجهتها لجنة البحث والتقصي لجميع الأطراف المعنية بهذه القضية ومحاضر استنطاق كل من استجاب للاستدعاءات.

واعتبرت الهيئة ان هذه القضية تمثل حالة نموذجية لفساد مستشرى في المؤسسات العمومية  تجمع الجرائم سوء استخدام النفوذ و التواطؤ، و توظيف القضاء وخيانة مأتمن في إدارة الأموال العمومية، واحداث مخاطر  تهدد البنك المركزي التونسيي في قدرة الدولة على الخلاص وإستقرار النظام المالي.

تتعلق قضية البنك الفرنسي التونسي( BFT  ) بنزاع إستمر لمدة 36 عامًا بين السلط التونسية ومجموعة الاستثمار العربية للأعمال التجارية (ABCI ) تحت غطاء ” الدفاع عن المصالح العليا للدولة“. تقدر أثارها السلبية على دافع الضرائب التونسي بأكثر من مليار دينار فيما يخص الضرر المباشر، في حين أن الضرر غير المباشر على الدولة التونسية يمكن أن يتجاوز أضعاف هذا المبلغ.(أنظر الوثيقة D4 .).

إن البنك الفرنسي التونسي يواجه اليوم عجزًا ماليا كبيرًا ناتج بالأساس عن تبذير ثروة البنك من خلال منح قروض دون ضمانات لأقارب نظام بن علي وغياب آليات الحوكمة في التسيير.( أنظر الوثيقة K11 .) وفي الجلسة البرلمانية التي إنعقدت في ماي 2017 ، أفاد محافظ البنك المركزي التونسي (من الدقيقة 3:38 إلى 7:22) السيد شادلي العياري: ” إن مشكلة BFT مشكلة كبيرة. إنه بنك يخسر 100 ألف دينار يوميًا و يمول البنك المركزي عن مضض”  هذا العجز للبنك الفرنسي التونسي من المال العام.

من جهتها أصدرت هيئة البت في الخلافات المتعلقة بتطبيق المرسوم عدد 1 بمحكمة التعقيب قرار عدد113  يؤكد أن التتبعات “حصلت نتيجة توظيف للدعوى العامة لتنفيذ أغراض الفساد السياس ي المهدد للأمن الاقتصادي للبلاد…”

هذا وقد أصدرت هيئة التحكيم( CIRDI )  في 17 جويلية 2017 حكمها ضد الدولة التونسية وأقرت بمسؤوليتها الكاملة في قضية البنك التونسي الفرنسي كما أن العواقب المالية المترتبة على هذا النزاع الذي دام 36 عامًا سيكون له انعكاس وخيم على المالية العمومية في تونس كما يثقل الدين العمومي. الا أنه، ولمعالجة هذا الملف، إختارت الحكومة التونسية سياسة الهروب إلى الأمام ومتابعة إستراتيجية التقاضي الدائم بالرغم من استعداد “مجموعة الاستثمار العربية للأعمال التجارية” للتسوية الودية للملف والتكاليف الباهظة لأتعاب مكتب المحاماة البريطاني التي تكبدتها تونس. وكانت سياسة الهروب إلى الامام تهدف في حقيقة الامر إلى التستر على تورط كبار المسؤولين في الدولة والمقربين من السلطة. وتجدر الإشارة الى أن البنك الفرنسي التونسي تمكن من التهرب من أعمال الرقابة والتدقيق حتى الآن على الرغم من أنه بنك عمومي.

من الواضح ان مصلحة الدولة كانت في الاعتراف بالفساد الذي وقعت ضحيته الدولة التونسية عهد الاستبداد وإرجاع البنك الى اصحابه وتمكين الخصم من مطالبة الخواص المتسببين في الافلاس بتسديد ديونهم، الا ان خيروا المشرفون على الملف في الحكومات المتعاقبة بعد الثورة تحمل الدولة التونسية مسؤولية الديون عوض الخواص الذين استفادوا بطرق غير شرعية من القروض كما تثبته الوثايق القضائية.

في قرارها التحكيمي الصادر في 17 جويلية 2017 اثارت الهيئة التحكيمية مسألة “انكار العدل” (déni de justice ) من قبل الدولة التونسية التي خرقت القانون التونسي والدولي فيما يتعلق بحق الملكية. وهاذ اخطر ما ضمنه القرار التحكيمي لأنة يضع في الميزان مصدقيه الدولة التونسية .ان مصدقيه الدولة في اقامة العدل وحماية حق التقاضي أمام سلطة قضائية مستقلة هي اهم معيار المعتمدة في المعاملات الدولية وأول ما يطلبونه المستثمرين الأجانب حين يأتون للقيام بالاستثمار.

وعوضا عن سياسة النعامة، هناك منفذ يمكن للحكومة انتهاجه وهو الاعتماد على القانون الدولي الذي يعفي الدول من استخلاص الديون غير الشرعية. وذلك بالاعتماد على المعايير الدولية التي تعتبر ديون غير شرعية تلك التي تحصل في غياب موافقة المواطنين (عن طريق التمثيل الشعبي) و عدم وجود استفادة للشعب و أن الدائنين كانوا على علم بغياب الموافقة والفوائد.(قرار الأمم المتحدة 40 / 8 المؤرخ 22 مارس 2019 المتعلق بآثار الديون الخارجية للدول وما يتصل بها من التزامات مالية دولية أخرى عليها، في التمتع الكامل بجميع حقوق الإنسان، وبخاصة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.)

الشارع المغاربي: هل هناك تصور جديد لاستكمال مسار العدالة الانتقالية  ؟ هذا ما ألمح له وزير أملاك الدولة الذي التقاكم مؤخرا وهل تم طرح ذلك في اللقاء ؟

سهام بن سدرين: مسار العدالة الانتقالية استكمل بعد،  وجميع شروط تطبيقه متوفرة بعد ان قامت الهيئة بتنفيذ عهدتها المتمثلة، حسب القانون، في كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات وجبر ضرر الضحايا و اقتراح الإصلاحات الكفيلة بضمان عدم التكرار و تحقيق المصالحة الوطنية. واي حديث عن تجربة ثانية في العدالة الانتقالية لن يقبل به الشعب التونسي وسيتصدى له المجتمع المدني وهي أمنية غير قابلة للتحقيق لمن يسعى للإفلات من العقاب وغلق باب المسائلة للقضائية الجارية حاليا أمام القضاء المتخصص في العدالة الانتقالية.

 

الشارع المغاربي: هل تعتبرون ان العدالة الانتقالية فشلت في تونس ؟

سهام بن سدرين: التجربة التونسية في العدالة الانتقالية ناجحة و تعتبر نموذجا دوليا يقتد بها بوصفها قامت بربط انتهاكات حقوق الإنسان بانتهاكات الفساد المالي والاعتداء على المال العام.

الشارع المغاربي: هيئة الحقيقة والكرامة ، هل أصبحت جزءا من الماضي ؟ وهل تفكرين في الكشف يوما عن كواليس واسرار فترة ترؤسك لها بإماطة اللثام مثلا عن خفايا ربما لم يعرفها أحد ؟

سهام بن سدرين: الهيئة قامت بإنجاز مهامها بكل شفافية ونشرت في تقريرها الختامي الشامل كل الحقائق التي توصلت إليها، وهذا ما يفسر ارتفاع بعض الأصوات اليائسة للمطالبة بعدم نشر التقرير بالرائد الرسمي.

 

 كوثر زنطور 

                                                                                                                              الشارع المغاربي