ردّا على بن حميدان: هل هو دفاع عن الدولة أم على الفاسدين؟ - Instance Vérité et Dignité

ردّا على بن حميدان: هل هو دفاع عن الدولة أم على الفاسدين؟

بن حميدان ينتصب زعيما جديدا للمنادين بتصفية مسار العدالة الانتقالية

هل هو دفاع عن الدولة أو على الفاسدين؟

تولى المحامي بباريس والنائب المؤسّس والوزير الأسبق لأملاك الدولة، السيد سليم بن حميدان شن هجوم عشوائيّ على مسار العدالة الانتقالية مُدّعيا أن التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة يتضمّن ” معلومات مغلوطة… وغير مطابقة للحقيقة” في معالجتها لملف البنك الفرنسي التونسي، مُتَّهما الهيئة بأنّها ” انتصبت من خلال تقريرها خصما للدولة “. لينتهي بمطالبة السلطة التنفيذية بـ” عدم نشره بالرائد الرسمي “

هل يستهتر السيد بن حميدان بالرأي العام عند خوضه في ملف البنك الفرنسي التونسي على الملأ وعلى هذا النحو؟ وهل تبقّى له أنْ يُدلي في هذا الموضوع بالنّصح والدرس بعد إخفاقه في معالجة قضية باشرها بنفسه بوصفه عضو حكومة أفرزتها الثورة؟ وهل يظن أنّ الأحكام المتشنّجة ستُغنيه عن تقديم استفسارات مقنعة على تستّره على منظومة الفساد التي عبثت بالبنك الفرنسي التونسي طيلة عشرات السنين؟

لا يهمُّنا الخوض في مرامي السيد بن حميدان وخلفيات تهجمه على إحدى أبرز مرتكزات الانتقال الديمقراطي كما لا يهمّنا تقدير مدى تطابق موقفه هذا مع الشعارات التي يرفعها أو الانتماءات التي يتلون بها. سنكتفي بشرح بعض الحقائق لإنارة الرأي العام.

يبدو أنّ النائب المؤسّس والوزير الأسبق لأملاك الدولة، السيد بن حميدان لم يطلع بالقدر المطلوب على قانون العدالة الانتقالية الذي حدّد الانتهاك على أنّه « كل اعتداء جسيم أو ممنهج على حق من حقوق الإنسان صادر عن أجهزة الدولة أو مجموعات أو أفراد تصرفوا باسمها أو تحت حمايتها وإن لم تكن لهم الصفة أو الصلاحية التي تخول لهم ذلك”(الفصل3).

فهو يخلط بين الدولة ومن تصرّف باسمها ضد مصلحتها أي بين الدولة ككيان كلّي وبين السلطة ككيان جزئي يمكن أن تكون سلطة مستبدّة وفاسدة ولا تُلزمُ الدولة التي تخلّصت منها بثورة الشعب.  غير أنّه علينا ألاّ نستخفّ بظاهرة الخلط هذه لأنّها تبدو لنا منذ بدايتها مقصودة. فهي في حقيقة الأمر نفس الظاهرة التي رأيناها تعمل بإتقان وباستمرار بغية التراجع عمّا تحقّق إلى حدّ الآن من منجزات العدالة الانتقالية.

كما صنّف المشرّع الفساد المالي والاعتداء على المال العام “كاعتداء جسيم”  (الفصل 8 ) وأوكل لهيئة الحقيقة والكرامة مهمة  ” تحديد مسؤوليات أجهزة الدولة أو أي أطراف أخرى في الانتهاكات المشمولة بأحكام هذا القانون وتوضيح أسبابها واقتراح المعالجات التي تحول دون تكرارها مستقبلا”  (فصل 39)

والثابت أنّ السيد بن حميدان لم يقرأ بتروّي التقرير الذي قدمته الهيئة في شأن قضية البنك الفرنسي التونسي خلال انعقاد الندوة الختامية لاعمالها في 14 و 15 ديسمبر 2018 والتي اشرف عليها جميع الأعضاء الهيئة (بما في ذلك العضوة التي استيقظت من غيبوبة مصلحية واختلقت سردية مزيفة لجميع أعمال مجلس الهيئة، خدمتا لمصالح اللوبيات المعادية للمسار)، ولا المجلد الثالث المخصص لتفكيك منظومة الفساد في تقريرها الختامي الشامل.

كما أنّه لم يطلع على قرار الأمم المتحدة عدد A/HRC/20/23  حول الديون غير الشرعية ولا على المبادئ التوجيهية بشأن الديون الخارجية وحقوق الإنسان A/HRC/RES/34/33GE.17-05593

التستر على تورط كبار المسؤولين في الدولة والمقربين من السلطة

اعتبرت الهيئة في تقريرها أنّ قضية البنك التونسي الفرنسي تمثل “حالة نموذجية للفساد المستشري في المؤسسات العمومية” وتجمع الجرائم سوء استخدام النفوذ لمسؤولين حكوميين، والتواطؤ بين السلطة السياسية والقطاع الخاص في ارتكاب جريمة اختلاس، وتوظيف القضاء، وخيانة مؤتمن في إدارة الأموال العمومية، وإحداث مخاطر تُهدّد البنك المركزي التونسي في قدرة الدولة على الخلاص واستقرار النظام المالي الوطني.

تتعلق قضية البنك الفرنسي التونسي(BFT) بنزاع استمر لمدة 36 عامًا بين السلط التونسية ومجموعة الاستثمار العربية للأعمال التجارية (ABCI) تحت غطاء “الدفاع عن المصالح العليا للدولة”. وان كان النزاع يتعلق مليوني دينار ونصف (2,5 ) عند انطلاق النزاع سنة 1982، فهي تقدر أثارها السلبية اليوم على دافع الضرائب التونسي بأكثر من مليار دينار فيما يخص الضرر المباشر، في حين أن الضرر غير المباشر على الدولة التونسية يمكن أن يتجاوز أضعاف هذا المبلغ ( انظر الوثيقة D4).  كما عرضت الهيئة شرح مفصل لهذا الملف في الندوة الختامية التي نظمتها ايام 14 و15 ديسمبر 2018 وقدمت للعموم التسلسل الزمني لأطوار هذه القضية التي وقع فيها مصادرة أموال المستثمرين دون تعويض و توزيع رأس مال البنك على اكثر من 60 منتفع من رجال أعمال في حاشية السلطة آنذاك من بينهم من هو اليوم مرشح لشراء دار الصباح دون تسديد ديونهم التي تتحملها الدولة التونسية. ولم تتوقف التجاوزات مع سقوط نظام بن علي فمنحت لموظفي البنك خلال عامي 2011 و 2012 قروض ضخمة دون ضمانات، تتجاوز 8 ملايين دينار، من اجل كسب صمتهم  (انظر وثيقة F6). وقدرت القروض غير المسددة والتي صنفت غير قابلة للاستخلاص  بمبلغ 480 مليون دينار، وهذا بالنسبة لبنك برأس مال مسجل لا يتجاوز 5 ملايين دينار.

إن البنك الفرنسي التونسي هو اليوم في حالة عجز مالي كبير ناتج بالأساس عن تبذير ثروة البنك من خلال منح قروض دون ضمانات لأقارب نظام بن علي وغياب آليات الحوكمة في التسيير( أنظر الوثيقة K11). وفي الجلسة البرلمانية التي انعقدت في ماي 2017، أفاد محافظ البنك المركزي التونسي (من الدقيقة 3:38 إلى 7:22) السيد شاذلي العياري: ” إن مشكلة BFT مشكلة كبيرة. إنه بنك يخسر 100 ألف دينار يوميًا… و يمول البنك المركزي عن مضض”  هذا العجز للبنك الفرنسي التونسي من المال العام.

من جهتها أصدرت هيئة البت في الخلافات المتعلقة بتطبيق المرسوم عدد1 بمحكمة التعقيب القرار عدد 113  يؤكد أن التتبّعات “حصلت نتيجة توظيف للدعوى العامة لتنفيذ أغراض الفساد السياسي المهدد للأمن الاقتصادي للبلاد…”

وقد أصدرت هيئة التحكيم (CIRDI) في 17جويلية 2017 حكمها ضد الدولة التونسية وأقرت بمسؤوليتها الكاملة في قضية البنك التونسي الفرنسي كما أن العواقب المالية المترتبة على هذا الحكم سيكون له انعكاس وخيم على المالية العمومية في تونس ويثقل الدين العمومي.

إلا أنه، ولمعالجة هذا الملف، اختارت الحكومات المتعاقبة سياسة الهروب إلى الأمام ومتابعة استراتيجية التقاضي الدائم بالرغم من استعداد “مجموعة الاستثمار العربية للأعمال التجارية” (ABCI) للتسوية الودية للملف، إضافة للتكاليف الباهظة لأتعاب مكاتب المحاماة التونسية والبريطانية. ويبدو أن رفض نهج التسوية كان يخفي التهرب من أعمال الرقابة والتدقيق (حتى يومنا هذا) على الرغم من أن البنك الفرنسي التونسي هو بنك عمومي، لان هذا التدقيق سيكشف تورط كبار المسؤولين في الدولة والمقربين من السلطة.

وفي ختام أعمال التحقيق والتحري التي أجرتها، أحالت هيئة الحقيقة والكرامة على أنظار الدائرة المتخصصة في العدالة الانتقالية في المحكمة الابتدائية بتونس بتاريخ 31 ديسمبر 2018 لائحة اتهام تتضمن المرجع 69 وتتعلق بالانتهاكات التي ارتكبها كبار المسؤولين في قضية البنك الفرنسي التونسي (BFT) مظروفة بالاستدعاءات التي وجهتها لجنة البحث والتقصي لجميع الأطراف المعنية بهذه القضية ومحاضر الاستنطاق لكل من استجاب للاستدعاءات.

أين تكمن مصلحة الدولة؟ في مواصلة النزيف عوض إبرام الصلح ؟

من الواضح أنّ مصلحة الدولة كانت تكمن في الاعتراف بالفساد الذي وقعت ضحيته الدولة التونسية نفسها وإرجاع البنك إلى أصحابه مع تمكين الخصم من مطالبة الأطراف المتسببين في الإفلاس بتسديد ديونهم، وليس مطالبة الدولة التونسية التي هي ضحية هذا الفساد على معنى قانون العدالة الانتقالية.  إلا أن المشرفين على هذا الملف في الحكومات المتعاقبة بعد الثورة خيروا تحميل الدولة التونسية مسؤولية هذه الديون  في مقابل تبييض الخواص الفاسدين الذين استفادوا بطرق غير شرعية من القروض كما تثبته الوثائق القضائية.

 

مغالطات وزير املاك الدولة الاسبق

– هناك قضيتان منشورتان في المحكمة إحداها ضد السيد بن حميدان والثانية هو القائم بها ضد موظفين في وزارة أملاك الدولة ادعى انهم « تصرفوا دون علمه »، ولم يقع البت النهائي في القضيتين الى حد الآن، والادعاء بان المحكمة قضت بــــــ” جريمة فيها إضرار بالدولة”هو من باب المغالطة.

– الهيئة غير مسؤولة على قلة الكفاءة لمن تولى المسؤولية الأولى في معالجة هذا النزاع بعد الثورة وهي مطالبة قانونا بالبحث والتقصي في كل الانتهاكات في حق الدولة التي قام بها موظفون سامون تصرفوا باسمها وأساؤوا لها من جويلية 1955 الى ديسمبر 2013 وذلك يشمل عهدة الحكومة التي كان السيد بن حميدان عضوا فيها.

-يحاول السيد بن حميدان تجاهل معطى وهو أنّ المركز الدولي لفضّ نزاعات الاستثمار (CIRDI) أصدر حكمه بعد في جويلية 2017 ضد الدولة التونسية وهو الآن يقوم بتحديد قيمة الضرر الحاصل التي ستجبر الدولة التونسية على تسديده ولم يأثر تقرير الهيئة الصادر في مارس 2019 على قرار محكمة التحكيم.

-أما فيما يتعلق بإيحاءات السيد بن حميدان مفادها ان أعضاء الهيئة تلقوا ” رشاوي”، فنكتفي بالقول ان الراشي يقدم عرضه لمن عنده قابلية لقبولها وليس لمن يخشى منه التتبع أمام القضاء من اجل جريمة ارتشاء موظف عمومي.

مصداقية الدولة في الميزان

    في قرارها التحكيمي الصادر في 17 جويلية 2017 أثارت المحكمة (CIRDI) مسألة “إنكار العدل” ( déni de justice) من قبل الدولة التونسية التي خرقت القانون التونسي والدولي فيما يتعلق بحق الملكية. وهذا أخطر ما ضمنه القرار التحكيمي لأنّه يضع في الميزان مصداقية الدولة التونسية كدولة مقيدة بالقانون الذي وضعته. إنّ مسؤولية الدولة في إقامة العدل وحماية حق التقاضي أمام سلطة قضائية مستقلة هي أهم المعايير المعتمدة في المعاملات الدولية وأوّل ما يطالب به المستثمرون الأجانب حين يأتون للقيام بالاستثمار في تونس.

وعوضا عن سياسة النعامة، هناك منفذ يمكن للحكومة انتهاجه وهو الاعتماد على القانون الدولي الذي يُعفي الدول من استخلاص الديون غير الشرعية. وذلك بالاعتماد على المعايير الدولية التي تعتبر ديون غير شرعية تلك التي تحصل في غياب موافقة المواطنين (عن طريق البرلمان) و عدم وجود استفادة للشعب وأن الدائنين كانوا على علم بغياب الموافقة والفوائد. (قرار الأمم المتحدة 40 / 8 المؤرخ 22 مارس 2019 المتعلق بآثار الديون الخارجية للدول وما يتصل بها من التزامات مالية دولية أخرى عليها، في التمتع الكامل بجميع حقوق الإنسان، وبخاصة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.)

ويقتضي الحرص على مصداقية الدولة الاعتراف بما اقترفه بعض موظفين في الدولة باسمها من انتهاكات في عهد الدكتاتورية، تضرّرت منها الدولة، وأخذ مسافة من هذه الممارسات المضرّة بمصلحة الدولة وهي أسلم سياسة يجب أن تنتهجها بها الحكومة التونسية اليوم.

ولضرورة انتهاج هذه السياسة، من المريح أن تعتمد الحكومة على تقارير هيئة الحقيقة والكرامة بوصفها هيئة عمومية مستقلة وآليةٌ معترفٌ بها أمميّا لمعالجة إرث الماضي، وعلى القضية المنشورة أمام الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية، لإثبات إدانتها، كدولة، للفساد الذي سيطر على هذه القضية وعدم تحملها المسؤولية السياسية في هذا الملف والنتائج المالية لجرائم الدكتاتورية.

الدعوات اليائسة لعدم نشر تقرير الهيئة في الرائد الرسمي خرقا سافرا للقانون

إن أي حديث عن تجربة ثانية في العدالة الانتقالية هو دعوة صريحة لتصفية التجربة التونسية وهي تصب في مصب تلك التي سبق وأن رفعها أتباع النظام السابق المتعهدين بضمان إفلات الجلادين والفاسدين من العقاب وقبر تطلّعات الضحايا في ردّ الاعتبار ونسف إرادة الشعب في معرفة الحقيقة ومنع إرساء مؤسسات وآليات بديلة من أجل تحصين الدولة ضدّ سطوة الفاسدين على القرار الوطني وعلى موارد البلاد والعبث بمستقبل الأجيال الصاعدة. وهو ما يعني بكل وضوح الرغبة في الاستفادة من آليات الاستبداد والفساد وتكرارها لضمان الوصول إلى السلطة أو الاستمرار في الحكم.

يحق للأشخاص عدم الموافقة على المحتويات التي جاء بها التقرير كما يحق لهم انتقاد أداء أي مؤسسة رسمية، ولكن لا يحق لأي شخص التدخل في محتواه أو تغييره أو التشكيك في نزاهته وقد صادق عليه مجلس هيئة الحقيقة والكرامة بغالبية أعضائه في 30 ديسمبر 2018 طبقا لما هو مُدوّن في محاضر الجلسات.

وإنْ وُجد صوتٌ نشازٌ لم يصوت عليه داخل المجلس في الجلسة الختامية فهذا أمر يهمّه –ونُدركُ جيّدا خفاياه-ولا يؤثر على سلامة إجراءات المجلس،

ومَنْ يُطالب بعدم نشر التقرير بسبب عدم مصادقة عضوا ما، وكانه يطالب بإلغاء نتائج الانتخابات التشريعية بسبب خلاف طرأ بين أعضاء مجلس الهيئة العليا للانتخابات وان أحد الأعضاء لم يصادق على النتائج النهائية.بن حميدان

بن حميدان ينتصب زعيما جديدا للمنادين بتصفية مسار العدالة الانتقالية

هل هو دفاع عن الدولة أو على الفاسدين؟

تولى المحامي بباريس والنائب المؤسّس والوزير الأسبق لأملاك الدولة، السيد سليم بن حميدان شن هجوم عشوائيّ على مسار العدالة الانتقالية مُدّعيا أن التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة يتضمّن ” معلومات مغلوطة… وغير مطابقة للحقيقة” في معالجتها لملف البنك الفرنسي التونسي، مُتَّهما الهيئة بأنّها ” انتصبت من خلال تقريرها خصما للدولة “. لينتهي بمطالبة السلطة التنفيذية بـ” عدم نشره بالرائد الرسمي “

هل يستهتر السيد بن حميدان بالرأي العام عند خوضه في ملف البنك الفرنسي التونسي على الملأ وعلى هذا النحو؟ وهل تبقّى له أنْ يُدلي في هذا الموضوع بالنّصح والدرس بعد إخفاقه في معالجة قضية باشرها بنفسه بوصفه عضو حكومة أفرزتها الثورة؟ وهل يظن أنّ الأحكام المتشنّجة ستُغنيه عن تقديم استفسارات مقنعة على تستّره على منظومة الفساد التي عبثت بالبنك الفرنسي التونسي طيلة عشرات السنين؟

لا يهمُّنا الخوض في مرامي السيد بن حميدان وخلفيات تهجمه على إحدى أبرز مرتكزات الانتقال الديمقراطي كما لا يهمّنا تقدير مدى تطابق موقفه هذا مع الشعارات التي يرفعها أو الانتماءات التي يتلون بها. سنكتفي بشرح بعض الحقائق لإنارة الرأي العام.

يبدو أنّ النائب المؤسّس والوزير الأسبق لأملاك الدولة، السيد بن حميدان لم يطلع بالقدر المطلوب على قانون العدالة الانتقالية الذي حدّد الانتهاك على أنّه « كل اعتداء جسيم أو ممنهج على حق من حقوق الإنسان صادر عن أجهزة الدولة أو مجموعات أو أفراد تصرفوا باسمها أو تحت حمايتها وإن لم تكن لهم الصفة أو الصلاحية التي تخول لهم ذلك”(الفصل3).

فهو يخلط بين الدولة ومن تصرّف باسمها ضد مصلحتها أي بين الدولة ككيان كلّي وبين السلطة ككيان جزئي يمكن أن تكون سلطة مستبدّة وفاسدة ولا تُلزمُ الدولة التي تخلّصت منها بثورة الشعب. غير أنّه علينا ألاّ نستخفّ بظاهرة الخلط هذه لأنّها تبدو لنا منذ بدايتها مقصودة. فهي في حقيقة الأمر نفس الظاهرة التي رأيناها تعمل بإتقان وباستمرار بغية التراجع عمّا تحقّق إلى حدّ الآن من منجزات العدالة الانتقالية.

كما صنّف المشرّع الفساد المالي والاعتداء على المال العام “كاعتداء جسيم” (الفصل 8 ) وأوكل لهيئة الحقيقة والكرامة مهمة ” تحديد مسؤوليات أجهزة الدولة أو أي أطراف أخرى في الانتهاكات المشمولة بأحكام هذا القانون وتوضيح أسبابها واقتراح المعالجات التي تحول دون تكرارها مستقبلا” (فصل 39)

 والثابت أنّ السيد بن حميدان لم يقرأ بتروّي التقرير الذي قدمته الهيئة في شأن قضية البنك الفرنسي التونسي خلال انعقاد الندوة الختامية لاعمالها في 14 و 15 ديسمبر 2018 والتي اشرف عليها جميع الأعضاء الهيئة (بما في ذلك العضوة التي استيقظت من غيبوبة مصلحية واختلقت سردية مزيفة لجميع أعمال مجلس الهيئة، خدمتا لمصالح اللوبيات المعادية للمسار)، ولا المجلد الثالث المخصص لتفكيك منظومة الفساد في تقريرها الختامي الشامل.

كما أنّه لم يطلع على قرار الأمم المتحدة عدد A/HRC/20/23 حول الديون غير الشرعية ولا على المبادئ التوجيهية بشأن الديون الخارجية وحقوق الإنسان A/HRC/RES/34/33GE.17-05593

التستر على تورط كبار المسؤولين في الدولة والمقربين من السلطة

 اعتبرت الهيئة في تقريرها أنّ قضية البنك التونسي الفرنسي تمثل “حالة نموذجية للفساد المستشري في المؤسسات العمومية” وتجمع الجرائم سوء استخدام النفوذ لمسؤولين حكوميين، والتواطؤ بين السلطة السياسية والقطاع الخاص في ارتكاب جريمة اختلاس، وتوظيف القضاء، وخيانة مؤتمن في إدارة الأموال العمومية، وإحداث مخاطر تُهدّد البنك المركزي التونسي في قدرة الدولة على الخلاص واستقرار النظام المالي الوطني.

تتعلق قضية البنك الفرنسي التونسي(BFT) بنزاع استمر لمدة 36 عامًا بين السلط التونسية ومجموعة الاستثمار العربية للأعمال التجارية (ABCI) تحت غطاء “الدفاع عن المصالح العليا للدولة”. وان كان النزاع يتعلق مليوني دينار ونصف (2,5 ) عند انطلاق النزاع سنة 1982، فهي تقدر أثارها السلبية اليوم على دافع الضرائب التونسي بأكثر من مليار دينار فيما يخص الضرر المباشر، في حين أن الضرر غير المباشر على الدولة التونسية يمكن أن يتجاوز أضعاف هذا المبلغ ( انظر الوثيقة D4). كما عرضت الهيئة شرح مفصل لهذا الملف في الندوة الختامية التي نظمتها ايام 14 و15 ديسمبر 2018 وقدمت للعموم التسلسل الزمني لأطوار هذه القضية التي وقع فيها مصادرة أموال المستثمرين دون تعويض و توزيع رأس مال البنك على اكثر من 60 منتفع من رجال أعمال في حاشية السلطة آنذاك من بينهم من هو اليوم مرشح لشراء دار الصباح دون تسديد ديونهم التي تتحملها الدولة التونسية. ولم تتوقف التجاوزات مع سقوط نظام بن علي فمنحت لموظفي البنك خلال عامي 2011 و 2012 قروض ضخمة دون ضمانات، تتجاوز 8 ملايين دينار، من اجل كسب صمتهم (انظر وثيقة F6). وقدرت القروض غير المسددة والتي صنفت غير قابلة للاستخلاص بمبلغ 480 مليون دينار، وهذا بالنسبة لبنك برأس مال مسجل لا يتجاوز 5 ملايين دينار.

إن البنك الفرنسي التونسي هو اليوم في حالة عجز مالي كبير ناتج بالأساس عن تبذير ثروة البنك من خلال منح قروض دون ضمانات لأقارب نظام بن علي وغياب آليات الحوكمة في التسيير( أنظر الوثيقة K11). وفي الجلسة البرلمانية التي انعقدت في ماي 2017، أفاد محافظ البنك المركزي التونسي (من الدقيقة 3:38 إلى 7:22) السيد شاذلي العياري: ” إن مشكلة BFT مشكلة كبيرة. إنه بنك يخسر 100 ألف دينار يوميًا… و يمول البنك المركزي عن مضض” هذا العجز للبنك الفرنسي التونسي من المال العام.

من جهتها أصدرت هيئة البت في الخلافات المتعلقة بتطبيق المرسوم عدد1 بمحكمة التعقيب القرار عدد 113 يؤكد أن التتبّعات “حصلت نتيجة توظيف للدعوى العامة لتنفيذ أغراض الفساد السياسي المهدد للأمن الاقتصادي للبلاد…”

وقد أصدرت هيئة التحكيم (CIRDI) في 17جويلية 2017 حكمها ضد الدولة التونسية وأقرت بمسؤوليتها الكاملة في قضية البنك التونسي الفرنسي كما أن العواقب المالية المترتبة على هذا الحكم سيكون له انعكاس وخيم على المالية العمومية في تونس ويثقل الدين العمومي.

إلا أنه، ولمعالجة هذا الملف، اختارت الحكومات المتعاقبة سياسة الهروب إلى الأمام ومتابعة استراتيجية التقاضي الدائم بالرغم من استعداد “مجموعة الاستثمار العربية للأعمال التجارية” (ABCI) للتسوية الودية للملف، إضافة للتكاليف الباهظة لأتعاب مكاتب المحاماة التونسية والبريطانية. ويبدو أن رفض نهج التسوية كان يخفي التهرب من أعمال الرقابة والتدقيق (حتى يومنا هذا) على الرغم من أن البنك الفرنسي التونسي هو بنك عمومي، لان هذا التدقيق سيكشف تورط كبار المسؤولين في الدولة والمقربين من السلطة.

وفي ختام أعمال التحقيق والتحري التي أجرتها، أحالت هيئة الحقيقة والكرامة على أنظار الدائرة المتخصصة في العدالة الانتقالية في المحكمة الابتدائية بتونس بتاريخ 31 ديسمبر 2018 لائحة اتهام تتضمن المرجع 69 وتتعلق بالانتهاكات التي ارتكبها كبار المسؤولين في قضية البنك الفرنسي التونسي (BFT) مظروفة بالاستدعاءات التي وجهتها لجنة البحث والتقصي لجميع الأطراف المعنية بهذه القضية ومحاضر الاستنطاق لكل من استجاب للاستدعاءات.

 أين تكمن مصلحة الدولة؟ في مواصلة النزيف عوض إبرام الصلح ؟

من الواضح أنّ مصلحة الدولة كانت تكمن في الاعتراف بالفساد الذي وقعت ضحيته الدولة التونسية نفسها وإرجاع البنك إلى أصحابه مع تمكين الخصم من مطالبة الأطراف المتسببين في الإفلاس بتسديد ديونهم، وليس مطالبة الدولة التونسية التي هي ضحية هذا الفساد على معنى قانون العدالة الانتقالية. إلا أن المشرفين على هذا الملف في الحكومات المتعاقبة بعد الثورة خيروا تحميل الدولة التونسية مسؤولية هذه الديون في مقابل تبييض الخواص الفاسدين الذين استفادوا بطرق غير شرعية من القروض كما تثبته الوثائق القضائية.

مغالطات وزير املاك الدولة الاسبق

– هناك قضيتان منشورتان في المحكمة إحداها ضد السيد بن حميدان والثانية هو القائم بها ضد موظفين في وزارة أملاك الدولة ادعى انهم « تصرفوا دون علمه »، ولم يقع البت النهائي في القضيتين الى حد الآن، والادعاء بان المحكمة قضت بــــــ” جريمة فيها إضرار بالدولة”هو من باب المغالطة.

– الهيئة غير مسؤولة على قلة الكفاءة لمن تولى المسؤولية الأولى في معالجة هذا النزاع بعد الثورة وهي مطالبة قانونا بالبحث والتقصي في كل الانتهاكات في حق الدولة التي قام بها موظفون سامون تصرفوا باسمها وأساؤوا لها من جويلية 1955 الى ديسمبر 2013 وذلك يشمل عهدة الحكومة التي كان السيد بن حميدان عضوا فيها.

-يحاول السيد بن حميدان تجاهل معطى وهو أنّ المركز الدولي لفضّ نزاعات الاستثمار (CIRDI) أصدر حكمه بعد في جويلية 2017 ضد الدولة التونسية وهو الآن يقوم بتحديد قيمة الضرر الحاصل التي ستجبر الدولة التونسية على تسديده ولم يأثر تقرير الهيئة الصادر في مارس 2019 على قرار محكمة التحكيم.

-أما فيما يتعلق بإيحاءات السيد بن حميدان مفادها ان أعضاء الهيئة تلقوا ” رشاوي”، فنكتفي بالقول ان الراشي يقدم عرضه لمن عنده قابلية لقبولها وليس لمن يخشى منه التتبع أمام القضاء من اجل جريمة ارتشاء موظف عمومي.

 مصداقية الدولة في الميزان

     في قرارها التحكيمي الصادر في 17 جويلية 2017 أثارت المحكمة (CIRDI) مسألة “إنكار العدل” ( déni de justice) من قبل الدولة التونسية التي خرقت القانون التونسي والدولي فيما يتعلق بحق الملكية. وهذا أخطر ما ضمنه القرار التحكيمي لأنّه يضع في الميزان مصداقية الدولة التونسية كدولة مقيدة بالقانون الذي وضعته. إنّ مسؤولية الدولة في إقامة العدل وحماية حق التقاضي أمام سلطة قضائية مستقلة هي أهم المعايير المعتمدة في المعاملات الدولية وأوّل ما يطالب به المستثمرون الأجانب حين يأتون للقيام بالاستثمار في تونس.

وعوضا عن سياسة النعامة، هناك منفذ يمكن للحكومة انتهاجه وهو الاعتماد على القانون الدولي الذي يُعفي الدول من استخلاص الديون غير الشرعية. وذلك بالاعتماد على المعايير الدولية التي تعتبر ديون غير شرعية تلك التي تحصل في غياب موافقة المواطنين (عن طريق البرلمان) و عدم وجود استفادة للشعب وأن الدائنين كانوا على علم بغياب الموافقة والفوائد. (قرار الأمم المتحدة 40 / 8 المؤرخ 22 مارس 2019 المتعلق بآثار الديون الخارجية للدول وما يتصل بها من التزامات مالية دولية أخرى عليها، في التمتع الكامل بجميع حقوق الإنسان، وبخاصة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.)

ويقتضي الحرص على مصداقية الدولة الاعتراف بما اقترفه بعض موظفين في الدولة باسمها من انتهاكات في عهد الدكتاتورية، تضرّرت منها الدولة، وأخذ مسافة من هذه الممارسات المضرّة بمصلحة الدولة وهي أسلم سياسة يجب أن تنتهجها بها الحكومة التونسية اليوم.

ولضرورة انتهاج هذه السياسة، من المريح أن تعتمد الحكومة على تقارير هيئة الحقيقة والكرامة بوصفها هيئة عمومية مستقلة وآليةٌ معترفٌ بها أمميّا لمعالجة إرث الماضي، وعلى القضية المنشورة أمام الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية، لإثبات إدانتها، كدولة، للفساد الذي سيطر على هذه القضية وعدم تحملها المسؤولية السياسية في هذا الملف والنتائج المالية لجرائم الدكتاتورية.

 الدعوات اليائسة لعدم نشر تقرير الهيئة في الرائد الرسمي خرقا سافرا للقانون

إن أي حديث عن تجربة ثانية في العدالة الانتقالية هو دعوة صريحة لتصفية التجربة التونسية وهي تصب في مصب تلك التي سبق وأن رفعها أتباع النظام السابق المتعهدين بضمان إفلات الجلادين والفاسدين من العقاب وقبر تطلّعات الضحايا في ردّ الاعتبار ونسف إرادة الشعب في معرفة الحقيقة ومنع إرساء مؤسسات وآليات بديلة من أجل تحصين الدولة ضدّ سطوة الفاسدين على القرار الوطني وعلى موارد البلاد والعبث بمستقبل الأجيال الصاعدة. وهو ما يعني بكل وضوح الرغبة في الاستفادة من آليات الاستبداد والفساد وتكرارها لضمان الوصول إلى السلطة أو الاستمرار في الحكم.

يحق للأشخاص عدم الموافقة على المحتويات التي جاء بها التقرير كما يحق لهم انتقاد أداء أي مؤسسة رسمية، ولكن لا يحق لأي شخص التدخل في محتواه أو تغييره أو التشكيك في نزاهته وقد صادق عليه مجلس هيئة الحقيقة والكرامة بغالبية أعضائه في 30 ديسمبر 2018 طبقا لما هو مُدوّن في محاضر الجلسات.

وإنْ وُجد صوتٌ نشازٌ لم يصوت عليه داخل المجلس في الجلسة الختامية فهذا أمر يهمّه –ونُدركُ جيّدا خفاياه-ولا يؤثر على سلامة إجراءات المجلس،

ومَنْ يُطالب بعدم نشر التقرير بسبب عدم مصادقة عضوا ما، وكانه يطالب بإلغاء نتائج الانتخابات التشريعية بسبب خلاف طرأ بين أعضاء مجلس الهيئة العليا للانتخابات وان أحد الأعضاء لم يصادق على النتائج النهائية.