كيف فوّتت الحكومة فرصة استرجاع 1500 مليون دينار على الأقل إلى خزينة الدولة ؟

مثّلت الية التحكيم والمصالحة التي أقرّها قانون العدالة الانتقالية فرصة حقيقة لاسترجاع أموال الدولة المنهوبة عبر جملة من الشّروط حددها دليل اجراءات التحكيم والمصالحة صلب الهيئة.

و تجدر الإشارة إلى أن المكلف العام بنزاعات الدولة قدم للهيئة 685 ملف فساد مالي واعتداء على المال العام كانت الدولة فيها ضحية من بينها ملفات صخر الماطري وبلحسن الطرابلسي، وكان بالإمكان استرجاع 1500 مليون دينار في هذين الملفين فقط (500 مليون دينار ملف صخر الماطري و 1000 مليون دينار ملف بالحسن الطرابلسي)، اذا ما استجاب المكلف العام بنزاعات الدولة لطلبات الهيئة بخصوص استيفاء اجراءات الملفات المقدمة. لكنه لم يمض في شأنهما اتفاقية مبدئية للتحكيم والمصالحة بالرغم من أنه سبق وان طلب من الهيئة في 15 جوان 2016 القيام بإجراءات تحكيمية في شأنهما. وكان بالإمكان في هذين الملفين استرجاع لفائدة الدولة على الأقل.

وبالرغم من العراقيل التي أعاقت أعمال التحكيم والمصالحة من طرف مصالح المكلف العام بنزاعات الدولة، توصلت هيئة الحقيقة والكرامة عبر هذه الآلية إلى إبرام ثمانية اتفاقيات تحكيم ومصالحة تمكنت خلالها من استرجاع مبلغ يناهز سبعمائة وخمسة وأربعون مليون دينارا (745 مليون دينار) لفائدة الدولة التونسية. كما تمكنت الهيئة عن طريق آلية التحكيم والمصالحة من تسوية وضعية احدى عشر ضحية انتهاكات حقوق انسان من بينهم ضحيتين لانتهاك الحق في الملكية تم تعويضهما بمبلغ سبعمائة ألف دينار (700 أد) وذلك مع مؤسسات دولة خارجة عن المكلف العام (مثل الوكالة العقارية).

و تمر هذه اجراءات التحكيم والمصالحة صلب الهيئة عبر جملة من مراحل تبدأ بإيداع طلب تحكيم، ثم خضوعه لجلسات استماع سرية لتحديد الانتهاكات، ثم تعمير نموذج يحتوي على اعتراف واعتذار واقتراح مبلغ أولي، ثم توجه لجنة التحكيم مراسلة للمكلف العام (الذي سبق ان اودع لدى الهيئة طلب تحكيم في حق الدولة في هذا الملف) لإعلامه بطلب التحكيم واجراءاته و سؤاله إن كان يقبل عقد اتفاقية مبدئية في هذا الشأن، و في حالة الرفض تتوقف عملية التحكيم و المصالحة. عند قبول المكلف العام بنزاعات الدولة إبرام اتفاقية مبدئية للتحكيم والمصالحة يُدعى الى جلسة لإمضاء الاتفاقية وتنطلق بذلك المفاوضات لتحديد الاضرار والمبالغ التي تطلبها الدولة، و بعد عقد جلسات مفاوضة، تبت لجنة التحكيم والمصالحة في قرار تحكيمي يصادق عليه مجلس الهيئة ويكسى بعد ذلك الصبغة التنفيذية بإمضاء الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بتونس.

ويمكن للقرار التحكيمي ان يكون رضائيّا أي بتوافق الطرفين كما يمكن ألاَّ يتفق الأطراف على حلّ ودّي، فتصدر اللجنة في هذه الحالة قرارا تحكيميا تفصل فيه جميع النقاط المتنازع عليها. ويتضمن القرار التحكيمي عرضا تفصيليا للوقائع وتاريخ اقترافها ووصفها القانوني والنصوص القانونية المنطبقة عليها وبيان وجود الانتهاك من عدمه والأدلة المثبتة او النافية لها وتحديد درجة جسامة الانتهاكات في صورة ثبوتها ونسبتها للمسؤول عنها وتحديد طبيعة الاضرار وقيمتها وطرق جبرها.

كانت العلاقة المؤسساتية بين الهيئة و مؤسسة المكلف العام بنزاعات الدولة منحى غير منتظم، انطلقت بإبرام أول اتفاقية تحكيم ومصالحة يوم 5 ماي 2016 وبإيداع 685 ملف فساد مالي كانت الدولة فيها ضحية يوم 15 جوان2016،قبل أن يضطرّ القاضي كمال الهذيلي إلى المطالبة بإعفائه من خطة المكلف العام بنزاعات الدولة يوم 16 جوان 2016، بسبب ضغوطات مورست عليه وتهديدات لحقته وعائلته. وبقيت الخطة شاغرة منذ ذلك الوقت الى تاريخ تعيين القاضي لزهر الجويلي نهاية جانفي 2017 الذي سرعان ما اعفي من منصبه بقرار تم اتخاذه في مجلس الوزراء المنعقد بتاريخ 28 أفريل 2017 أي ثلاثة اشهر من مباشرته مهامه.

وكانت المدة التي تولى فيها الجويلي رئاسة مؤسسة المكلف العام مثمرة، نتج عنها اصدار اول قرار تحكيمي أدخلت فيه الى الخزينة مبلغ 1.8 مليون دينار بفضل التعامل الإيجابي للمكلف العام الذي كان حريصا على الدفاع عن مصالح الدولة.

وصرح المكلف العام بنزاعات الدولة المعفى خلال ندوة صحفية عقدها خلال شهر ماي 2017 ان “مؤسسة المكلف العام بنزاعات الدولة كانت في قلب التوظيف السياسي في سياقات مختلفة لتحقيق بعض المصالح الخاصة” و ان ذلك هو سبب خلافاته مع كاتب الدولة لأملاك الدولة والشؤون العقارية أنذاك، السيد مبروك كرشيد، معتبرا أن إصلاح هذه المؤسسة يمر عبر تكريس استقلاليتها و”التعاطي معها بمنطق الدولة وليس السلطة” وبقيت المؤسسة بدون مكلف عام الى حدود شهر فيفري 2018 حيث عين السيد علي الهمامي على رأسها.

والجدير بالذكر ان خلال الفترتين، أي خلال 16 شهر، بقيت المؤسسة تحت التسيير المباشر للسيد مبروك كرشيد الذي عين أحد المستشارين تحت إمرته لتسيير المؤسسة. وخلال هذه الفترة تم تنظيم ما يفوق 900 جلسة تحكيمية طالب المكلّف العام بنزاعات الدولة بالنيابة التّأجيل فيها كلّها بغضّ النّظر عن موضوعها أو الملفّات المطروحة بها.

 

سجلت هيئة الحقيقة و الكرامة تعاطيا سلبيا مع وزارة أملاك الدولة و الشؤون العقارية حيث تقدم المكلف العام بطلب التأجيل فيما يفوق 4000 جلسة تحكيمية انعقدت طيلة فترة عمل لجنة التحكيم و المصالحة. وقد قام المكلف العام بنزاعات الدولة برفض 2307 ملف بعد طلب الـتأخير عديد المرات. ولاحظت الهيئة بوصفها محكّما في آلية العدالة الانتقالية تقاعسا من مؤسسة المكلف العام بنزاعات الدولة في الدفاع على المصلحة العامة.

وبتاريخ 31 ماي 2018 وجه المكلف العام بنزاعات الدولة لهيئة الحقيقة و الكرامة مراسلة عن طريق عدل منفذ يعلم فيها بإيقاف التعامل مع الهيئة كمؤسسة عمومية من مؤسسات الدولة، وهو ما يعتبر تخليا منها عن اكثر من 650 مطلب تحكيم تقدمت بها للهيئة.

في ملف تحكيم صخر الماطري الذي أودع طلب تحكيم ومصالحة يوم 8 فيفري 2016 على سبيل المثال،    قبل أن تستمع له الهيئة في جلسة سرية  عبر السكايب بتاريخ 23 مارس من نفس العام، انتهت فيها الهيئة يوم 26 نوفمبر2018 بإصدار تقرير ختم إجراءات التحكيم والمصالحة يسجل فشل التحكيم ويحيل الملف على لجنة البحث والتقصي، و إحالة بعض الملفات التي تتوفر فيها مؤيدات على الدوائر القضائية المتخصصة يوم 28 ديسمبر 2018.

ويعود فشل توقيع الاتفاقية إلى غياب المكلف العام عن جلسة التوقيع وطلب التأخير 27 مرة ، قبل أن يعود لدى حضوره يوم 20 جوان 2018  لطلب”التأخير لتحديد موقف من إبرام اتفاقية تحكيم” المبدئية.

لكنه راسل الهيئة يوم 5 جويلية 2018 يعلمها بسحب كل مطالب التحكيم والمصالحة.

499,1 مليون دينارقيمة جبر ضرر الدولة المادي والمعنوي للتجاوزات المرتكبة في هذا الملف وحده باعتماد معايير الهيئة وبناء على المعطيات المتوفرة

بلغت قيمة جبر ضرر الدولة المادي والمعنوي للتجاوزات المرتكبة في هذا الملف وحده باعتماد معايير الهيئة وبناء على المعطيات المتوفرة ما قدره 499,1 مليون دينار.  وهذا المبلغ قابل للارتفاع على ضوء المعطيات والوثائق التي لم تتمكن الهيئة من الحصول عليها من القطب القضائي المالي والمكلف العام بنزاعات الدولة والمتعلقة بالتجاوزات العقارية والمؤسسات الإعلامية (دار الصباح وإذاعة الزيتونة) ومؤسسات الإيجار المالي والتأمين.

أما في قضية طالب التحكيم بلحسن الطرابلسي، بلغت قيمة جبر ضرر الدولة المادي والمعنوي للتجاوزات المرتكبة الحاصلة للدولة وبناء على المعطيات المتوفرة في ظل غياب تعاون القطب القضائي والمالي والمكلف العام بنزاعات الدولة تتجاوز 963,5 مليون دينار في 6 ملفات فقط  تمكنت الهيئة من إعداد تقييم مبدئي لعدد من جملة 31 ملف تتعلق به.

وكان بلحسن الطرابلسي تقدم بلحسن الطرابلسي الى هيئة الحقيقة بمطلب تحكيم ومصالحة بتاريخ 04 ماي 2016 واستوفى باقي الإجراءات المنصوص عليها بالقانون وبدليل إجراءات التحكيم والمصالحة، لكن المفاوضات انتهت بإحالة بعض الملفات التي تتوفر فيها مؤيدات على الدوائر القضائية المتخصصة يوم  28 ديسمبر 2018.

يكتسي مرسوم المصادرة طابعا سياديّا غير خاضع لرقابة المحكمة الإدارية غير أن تفعيله يقتضي قيام لجنة المصادرة في مرحلة أولى بضبط جميع الأموال المنقولة والعقارية والحقوق المصادرة تطبيقا للفصل 7 من المرسوم وفي مرحلة ثانية بيان جميع الدائنين للأشخاص المصادرة أموالهم وفق الفصل 6 من هذا المرسوم. غير أن لجنة المصادرة تتولى وجوبا مباشرة الإجراءات القانونية اللازمة لنقل الأموال العقارية والمنقولة والحقوق المصادرة لفائدة الدولة على معنى الفصل 8 ويستخلص من ذلك أن انتقال الملكية لا يتحقق بمجرد صدور المرسوم وإنما رهين استعمال لجنة المصادرة لصلاحيات التقصي والتتبع لفرز الأموال المكتسبة بصورة مشروعة عن الأموال المنهوبة وتمكين الأشخاص المصادرة أموالهم من حق الدفاع وأن قرينة فساد المصدر هي قرينة بسيطة قابلة للدحض.

بالإضافة إلى ذلك، عند محاولتها معرفة قيمة الأملاك المصادرة بالنسبة للملفات المتعهدة بها، اصطدمت هيئة الحقيقة والكرامة بغياب تقييم قيمة الأملاك المصادرة طيلة مرحلة المصادرة، كما سجلت الهيئة أن لجنة المصادرة اشتغلت على التفويت في البعض منها اعتمادا على تقييمات ظرفيه منفردة، ذلك سنوات بعد المصادرة وسوء التصرف في هذه الأملاك بما يجعل التفويت يحصل بقيمة دون القيمة الحقيقية لهذه الأملاك، وهو ما دفع الهيئة إلى إحالة ملف على الدوائر القضائية المتخصصة يوم 31 ديسمبر 2018 يتعلق بالتجاوزات التي قامت بها شركة الكرامة القابضة  ولجنة المصادرة في حق الدولة وسوء التصرف في الأملاك المصادرة.

و مثلت إعادة طرح مشروع قانون المصالحة تشويشا خارجيا على عمل لجنة التحكيم والمصالحة خصوصا وعلى عمل هيئة الحقيقة والكرامة بشكل عام كشف عن كم هائل من الاستهداف الخارجي الممنهج تجاه العدالة الانتقالية وانعدام إرادة سياسية في بلوغ المصالحة الوطنية الشاملة، وقد تمت المصادقة على قانون المصالحة الإدارية يوم 13 سبتمبر 2017 وتم نشره يوم 24 أكتوبر 2017 بالرائد الرسمي.

إن قانون العدالة الانتقالية نص على آلية التحكيم والمصالحة كآلية مرنة تحتكم لقواعد العدالة والانصاف والمعايير الدولية المعتمدة لمعالجة إرث الماضي بما يكفل حقوق الضحية ويساعد على تحقيق المصالحة بين الأفراد والدولة.

وعلى ضوء ما تقدم فإن وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية والمكلف العام بنزاعات الدولة لم ينفكّا على تفويت هذه الفرصة لتحقيق تسوية عادلة ومنصفة وذلك برفضهم الدائم للتعاطي الايجابي مع آلية التحكيم والمصالحة.

ومن باب المسؤولية أن تُساءل الحكومة والوزير المتعهد بالملف عن هذا الإفشال المتعمد للإجراءات التحكيمية لدى الهيئة وتفويت الفرصة الثمينة على الدولة لاسترجاع أموالها المنهوبة.

ويمكن الاطلاع على الملف الكامل وملاحقه عبر الرابط التالي  http://www.ivd.tn/rep01/