محكمة تونسية تنظر في ثالث قضايا العدالة الانتقالية: وقائع مآسي الانتهاكات

نظرت الدائرة الجنائية في محكمة الاستئناف بنابل في تونس، اليوم الجمعة، في قضيةمقتل فيصل بركات في مقرّ فرقة الأبحاث والتفتيش بنابل، وهي القضية التي أحيل فيها أكثر من 21 متهماً، من بينهم الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي وثلاثة من وزرائه ومستشارون من النّظام السّابق وطبيبان وأمنيون.

يشار إلى أنّ قاضي التحقيق كان قد أصدر في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2016 مذكرات جلب في حقّ رئيس فرقة الأبحاث والتفتيش للحرس الوطني بنابل في عام 1991، بعد فراره من مكتب التحقيق، وهي سابقة لم يشهد القضاء التونسي مثيلاً لها، كما أصدر بطاقتي جلب في حق الرئيس المخلوع ومدير المستشفى الجهوي بنابل.

وقال جمال بركات، شقيق فيصل بركات، في تصريح لـ”العربي الجديد”، وهو الذي كان شاهداً على تفاصيل تعذيب شقيقه، بحكم إيقافه قبل أسبوع من الحادثة، “إن بن علي تابع شخصياً ملف شقيقه فيصل بركات، وذلك لأنهم أحالوا القضية على المحكمة الجنائية الدولية”، مضيفاً أنّ “بن علي كان يستشير وزراءه ومختصين في القضاء وبعض مستشاريه الذين كانوا يقدمون إليه الفرضيات ليجيب عنها، واختيار الأنسب منها، وتحضير الرّد في صورة ما طلب منه ذلك لدرء فضيحة التعذيب”.

وأوضح بركات أنّهم تحصلوا على أرشيف من رئاسة الجمهورية إبان الثورة التونسية، يكشف كيف تابع بن علي ملف بركات أولاً بأول، وهي وثائق تورط عدداً من المستشارين والوزراء والخبراء المقربين من المخلوع، مبيناً أن العائلة، وبعد مضي نحو 27 عاماً من الحادثة، تأمل كشف الحقيقة ومحاسبة الجناة.

وبيّن أنه أوقف قبل أسبوع من اعتقال شقيقه من دون أي تهمة، فقط لأنه شقيق فيصل بركات الذي كان مطلوباً للأجهزة الأمنية بسبب انتمائه إلى جمعية غير مرخص لها، ولظهوره في برنامج حول الأحداث الطلابية في عام 1991، وأنه قتل تحت التعذيب، مبيناً أنّ عدداً من المنظمات والجمعيات الدولية المعنية بملف السجون حضرت جلسة اليوم في محكمة نابل، والتي تميزت باحترام المعايير الدولية وتوفير شروط المحاكمة العادلة.

ولفت المتحدث إلى أنه “لوحظ اليوم غياب المتهمين الرئيسيين في القضية، أي الجلادين، وحضر أمني فقط لتشابه الأسماء، وأيضاً قاضٍ كان تعهد بغلق الملف في عهد الاستبداد، وثبت تورطه في اتباع التعليمات التي كانت توجه إليه”.

وأضاف أنه “تم الاستماع إلى العائلة وإلى شهادته بحكم أنه كان موجوداً في مقر الفرقة الأمنية، وكان يستمع إلى صراخ شقيقه بركات، وهو يعذب وينكل به”، مشيراً إلى أنّ “أشنع أنواع التعذيب مورست في حق شقيقه، ما أدى إلى وفاته”.

كذلك أشار إلى بشاعة التعذيب وفظاعته التي رواها شهود عيان حضروا الحادثة، وأن ما حصل من أبشع الجرائم التي ارتكبت في عهد المخلوع، مبيناً أنه تمّ إخفاؤه قسرياً من قبل عناصر الأمن لأشهر عدة، ومباشرة بعد وفاة شقيقه، لكي تطمس الجريمة.

وبيّن أنه تمّ الادعاء أن سبب وفاة شقيقه كان حادث مرور، ولكن شهادة مسربة من قبل ممرض من الطب الشرعي كشفت أن الوفاة جاءت نتيجة التعذيب الوحشي، مضيفاً أن القضية أجلت إلى شهر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل لإتمام بعض الإجراءات، ومنها أن القاضي حضر من دون محام، وبالتالي لا بد من توكيل محامٍ، متوقعاً أن تشهد الجلسة المقبلة استماعاً للمزيد من الشهود وربما سيتواصل غياب الجلادين لأنهم يرفضون الاعتراف بالتجاوزات التي قاموا بها.

وأكد بركات أن العائلة، بوصفها قائمة بالحق الشخصي، تتمسك بالمحاسبة وبكشف الحقيقة، لأن عدداً من المسائل في مقتل شقيقه لا تزال مخفية، وهناك ممارسات أخرى لم يعلن عنها بعد، مبيناً أنهم لا يعرفون مثلاً هل أن سيناريو الدوس على جثة شقيقه بعد إلقائه في الطريق العام بواسطة سيارة حقيقة أم مجرد سيناريو على الورق.

ولفت إلى أن العدالة الانتقالية ضرورية لكشف الحقيقة، وأنهم متمسكون بالمحاسبة لضمان العدالة للجميع، فالأشخاص الذين أجرموا لا بد أن ينالوا عقابهم، مبيناً أن بعضاً منهم يتجول بشكل عادي في محافظته، ولا يزال يمارس نفوذه، وأن “الماكينة” ذاتها، أي الآلية، تعمل رغم أن هؤلاء انتهكوا الحرمة الجسدية للبشر، وبالتالي فإن مثل هذه المحاكمات هي لصالحهم ولصالح أبنائهم وعائلات الضحايا التي لا يريد أي إنسان أن تمارس عليها انتهاكات.

العربي الجديد