مداخلة رئيسة الهيئة في سيمينار مؤسسة التميمي “الحقائق المغيبة لمسار الاستقلال”

مداخلة رئيسة الهيئة في سيمينار مؤسسة التميمي

“الحقائق المغيبة لمسار الاستقلال”

السلام عليكم،

أدخل في صلب الموضوع، يجب علينا عدم تكرار الأخطاء التي ارتكبها غيرنا.

يجب أن يكون التعاطي مع القضايا التي تهم تاريخنا والحقائق التي تخصّنا برصانة ويجب أن نتعامل بأخلاقيات تختلف عن تلك التي مورست علينا. لا نشيطن ولا نخفي الحقيقة.

تاريخ تونس يهم كل التونسيين

ليست لدينا خصومة مع أحد لا الزعيم بورقيبة ولا الزعيم بن يوسف ولا مع الفريق الذي قاد الاستقلال ولا مصلحة للتقليل من قيمة ما قام به. وليست لدينا مصلحة لأن نقلل من شأن وقيمة ما قاموا به. حصلت معارك مع فرنسا وفرنسا لم تغادر تونس بسهولة. جرت حروب وسالت دماء وسقط شهداء وهناك أناس تغيّرت حياتهم، وهذا لا يستهان به. ودعونا نكبّر أي جهد كان من أجل أن تستقل بلادنا.

أريد ان أشكر السيد عبد الجليل، هنالك جدل حول قضايا تهم تاريخنا ولما لا نقوم بالتوضيح، واليوم أنت جمّعت النّاس وها أنت ترى الكم الهائل من الحضور الناس متعطشين لمعرفة حقيقة ما جرى، وبمجرد أن يصير الجدل تنكشف الحقائق شيئا فشيئا.

لا يجب معالجة القضايا التي تهم تاريخنا على أنها ملك خاص لفئة تدّعي أنها تصنع التاريخ، بل يجب طرح هذه المسائل في الساحة العمومية لأن الموضوع يهم كل التونسيين، ولهم الحق في الخوض في الموضوع مع الاستئناس بخبراء في المجال باعتبار أن لديهم التقنيات لقراءة هذه الوثائق التاريخية. مرّة أخرى، أقول بأنّنا لم نأت هنا لتصفية حسابات مع أحد بل من أجل كشف الحقيقة.

الهيئة متعهدة بكشف الحقيقة وفق الدستور

الهيئة مؤسسة دستورية حتى لو أن البعض لا يرغبون في أن تكون دستورية، هذا مكتوب في الدستور بالفصل 148. لماذا دستورية؟ قال السيد صافي سعيد ثورة العدالة الانتقالية لم تنتصر لأنّه ثمّة ثورة مضادّة. أقول لك سي صافي بأنها انتصرت وأكبر دليل على ذلك وجود القانون. هذا القانون يحصن مسار العدالة الانتقالية ووجوده دليل على أن الثورة حصلت، ولكن المطروح حاليا هو ضرب هذه الثورة. هذا القانون يمنح الهيئة مهمة كشف الحقيقة، ونحن بحاجة للحقيقة لأنها ستمهّد لامتلاك تاريخنا لأنّنا عندما نعرف التاريخ نصبح قادرين على بناء مستقبلنا. وإذا لم نكن نعرفه ونمشي على الألغام لن نعرف ما يجب القيام به وبالطبع يصبح التلاعب بمستقبل هذا الشعب والاجيال ممكن، ومن له بوق أعلى لإيصال صوته يصبح له الحق وليس من لديه آليات كشف هذه الحقيقة.

الحقيقة هي حق من الحقوق الأساسية لحقوق الانسان وتونس صادقت في 2010 على اتفاقية الحق في الحقيقة للمواطن وليس للمؤرخ. هي مهمة لأنها جزء من السيادة الوطنية. السيادة الوطنية لها علاقة مباشرة بالحقيقة.

ورد على الهيئة 65 ألف شكاية وبعد الفرز أصبحوا 63 ألف شكاية وتظلم على الدولة التي انتهكت حقوقهم، نحن نهتم بالانتهاكات التي صدرت عن أجهزة الدولة أو من تصرف باسمها. وقد وردتنا شكاوي من المتضررين في حقبة الاستقلال وهي مهمة جدا ومازلنا لم نكشف كل الحقائق، من جملتها أذكر شهادة حمادي غرس وهي شهادة دقيقة جدا. الخلاف بين اليوسفية والبرقيبية كان حول اتفاقية 55 وليس على وثيقة الاستقلال.

وردت علينا شكاوى مثلا من أهالي جبل اقري، وأعلمونا أن أهاليهم ماتوا في القصف في جبل اقري عام 1956، وتم منع اهاليهم من دفنهم فبقيت رفاتهم منشورة على الجبال الى يومنا هذا. توجهت الفرق التي تشتغل على هذه الحقبة في الهيئة الى جبل اقري وجبل بوهلال، بحثنا وجمعنا الرفاة ووعدنا الأهالي بكشف الحقيقة ومعرفة السّياق الذي حصلت فيه الأحداث. ما هو سبب قصفهم وقتلهم ومنع دفنهم؟ نحن سنحاول إقامة مقبرة في جهاتهم، المركزية هي التي قتلتنا، مقابر الشهداء التي تحيي ذكراهم يجب أن توجد في كل التراب التونسي، وحفظ الذاكرة يجب أن يكون عبر متاحف في كل تراب تونس.

توجهنا للبحث عن وثائق تمكننا من معرفة أسباب قصف الطيران الفرنسي في حين أن تونس مستقلة، بحثنا في النصوص مثلما يفعل المؤرخين، أرسلنا فريقا الى فرنسا، وقمنا بوضع خارطة للأرصدة الأرشيفية الموجودة في تونس وخارج تونس، وجمعنا الكتب لمعرفة ماذا حدث لمن ولماذا؟

الاستقلال: هناك أخطاء بشرية، وهناك إنجازات وبطولات أيضًا

ووجدنا وثائق تفيد أنه الى حدود 1958 منطقة الجنوب التونسي الى حدود قفصة منطقة لا نتصرف فيها، في الشمال بنزرت أيضا تونس المستقلة لا تتصرف فيها وهذا مضمن في الوثائق والنصوص، عثرنا على سلسلة من المراسلات بين الدولة الفرنسية وممثلها في تونس كان اسمه مقيم عام ثم أصبح المفوض السامي سنة 1955 ثم بعد 1956 أصبح اسمه سفير، نلاحظ ان وهي بتسميات مختلفة لنفس الوظيفة.

نحن لسنا مؤرخين لتكون الأمور واضحة، نحن هيئة دورها كشف الحقيقة على الانتهاكات وفهم السياقات التي حدثت فيها هذه الانتهاكات. نحن وجدنا مراسلات بين ممثل فرنسا في تونس وهي مراسلات مهمة جدا، كم هائل من تقارير يومية مفصلة على نشاط الفريق الذي كان يفاوض على الاستقلال وعلى رأسه الزعيم الحبيب بورقيبة، لا ننكر صفته كزعيم لكن نقول أيضا أن اليوسفيين كانوا زعماء، كلهم كانوا زعماء وليس لنا الحق في ان نسمي مجموعة كما قال السيد حمادي غرس “عصابة مفسدين” ويحاكمون في المحكمة العليا بتهمة عصابة مفسدين والبعض الاخر يكرمون وتحيى ذكراهم.

لتكن الحقيقة للجميع، اكراما للشهداء، لننسب الحقيقة التي ظل كل طرف يطوعها لنفسه وكل شخص يعتقد أنه الوحيد من ساهم في الاستقلال، هناك تاريخ وهناك أخطاء بشرية، وهناك إنجازات وبطولات أيضًا.

من حق كل مواطن تونسي موجود على التراب معرفة تاريخه، لنتصالح مع تاريخنا والمصالحة لا تكون الا بكشف الحقيقة كاملة.

فرنسا ارتهنت مسيرة تنفيذ الاستقلال

وجدنا في الوثائق أيضا خلافا في هذه المراسلات بين الفريق الذي قاد الاستقلال وبدأ في بناء الدولة وبين فرنسا، لا نبسط الأمر لكن السؤال هو هل ان هذه الخصومة كانت في مستوى التحديات ؟ هل كان بالإمكان ان نتحصّل أكثر مما تحصلنا عليه أم لا؟ هذا هو السؤال. نطرحه بكل رصانة ونجيب عليه.

تضمنت وثيقة الاستقلال كلمة interdépendance   وهي تعني التداخل. هل كانت هذه الكلمة ذات اتجاهين او كانت ذات اتجاه واحد وأمه كان لفرنسا فقط الحق في التدخل في تونس. لو كانت متبادلة على قدم المساواة لربما كان أمر جيد، وهناك اتفاقية 55 بخصوص التنقل التي تنص على حرية التنقل بين فرنسا وتونس كاملة دون تأشيرة. لماذا لا نقوم بتبادل؟

نقطة أخرى مهمة موجودة بالبروتوكول، ورد فيها يمكن أن يتغير أو يقع الغاء بعض البنود منه باتفاقيات أخرى. ما لم نلغ بنود اتفاقيات 55 باتفاقيات أخرى هي سارية المفعول.

أن الاتفاقيات المصادق عليها من البرلمان الفرنسي بعد اتفاقية 55، هي اتفاقية خاصة بالقضاء وقعت في مارس 1957 وهي تلغي القديمة فيما يخص القضاء. هناك وثائق تفاهم تعدّل اتفاقية 55 في مجالات الدفاع والأمن وغيرها لكن لم يقع المصادقة عليها من قبل البرلمان الفرنسي. وتنص اتفاقية القضاء الجديدة على أن المواطن الفرنسي لا يمكن محاكمته من طرف القضاء التونسي وحده، وعند الضرورة يجب استقدام قاضي فرنسي ضمن هيئة المحكمة لمحاكمته.

ثم إن قضية الأرشيف قضية مهمة جدا جدا من يملك الأرشيف يملك المعلومة ومن يملك المعلومة يملك سلطة القرار.

كل أرشيفاتنا التي تخص القضاء والأمن عند الفرنسيين، واليوم أتساءل ما الذي فعل الأرشيف الوطني لاسترجاع الوثائق، خاصة مع وجود اتفاقية تبادل مع الأرشيف الوطني الفرنسي؟ ما الذي أضافه المعهد لتمكين التونسيين من النّفاذ الى أرشيفه؟ بعض مما جلب خبأته ومنع النفاذ اليه لغير المؤرّخين.

الأرشيف الأمريكي يمكن النفاذ اليه عبر الانترنت ونحن لا يمكننا ذلك حتى بالذهاب الا مقر الأرشيف التونسي بالاستظهار بجملة من المؤيدات للحصول على نفاذ الى وثائق معينة.

من جملة الخلافات الذي كشفت عنه المراسلات هو طلب وثائق معاينات عدول التنفيذ باللغة الفرنسية، فيجيب القضاة أن تونس دولة مستقلة ولغتها اللغة العربية. ثم السؤال كيف أن اللغة العربية رسمية والفرنسية ليست أجنبية فما محلّها، وذلك كي لا نظلم الفريق الحاكم وقتها.

من بين الإشكاليات الأخرى هو أن الاتفاقيات الاقتصادية لم يقع إلغاءها، بل تتعدل باتفاقيات جديدة، وبعض المراسلات من الحكومة حول الاستقلال تأتيها إجابة من الجانب الفرنسي يقول بأنه تم التفاهم بصريح العبارة أن كل ما لم يتم تعديله أو الغاؤه باتفاقيات جديدة يبقى ساري المفعول. والاتفاقية الوحيدة الجديدة هي اتفاقية القضاء.

اما في موضوع التصفيات، فهي خرق للقانون وانتهاك لحقوق الانسان، وهذا لا يوجد فيه أي مجال للتلاعب، ويجب الكشف الحقيقة في مقتل صالح بن يوسف، من قتل وكيف؟ نحن في الهيئة نعدكم بالكشف عن كل ما نتوصل إليه من حقائق، وكل من يريد أن يطّلع عن الوثائق هذا متاح للجميع أيا كانوا الدولة او الخواص وهذا حق يكفله القانون والدستور.

ضرورة مساءلة العلاقة الاستعمارية مع فرنسا ومواجهة التاريخ بشجاعة

عمل الهيئة لم يكن لاتهام وشيطنة الفريق الذي فاوض على الاستقلال، بل لتوضيح أن فرنسا لم تخرج بالسهولة من بلادنا وأنها تركت مخالبها مغروسة في تونس بجملة من الاتفاقيات ونتيجتها أننا بقينا مكبلين وان مسيرة تنفيذ الاستقلال بقيت مرتهنة بسبب العلاقة التي لم تفك في تلك المرحلة.

بالنسبة لموضوع التأميم هو في الحقيقة حصل ولكن بأي طريقة؟ على عكس ما صار في بلدان أخرى بافتكاك الشركات التي تستغل مواردها وثرواتها، اما في تونس وقع تأميم بطريقة الشراء بالعملة الصعبة لشركات استفادت طويلا من ثرواتنا، وذلك عبر التداين لدى السلطة المستعمرة لأنّنا لا نملك المال لنشتري، ومن هنا انطلق مسلسل التداين، يعني بعد استغلالها وعصرها مثل الليمونة، لم يتم بيعها بأسعار باهضة لتقضي حياتك في تسديد الديون.

الشيء الذي قالته الهيئة وليس سهام بن سدرين هو جهد فريق كامل وليس شخصي فقط، أنا عبرت فقط على ما توصل إليه الفريق، قلنا يجب مساءلة هذه الحقبة وليس لمحاكمة هذه الحقبة، ممكن هناك أشياء كان من الأفضل ألا تكون، وأشياء أخرى كان من الضروري إنجازها وهذا يستوجب المساءلة، لكن نحن نريد مساءلة العلاقة مع فرنسا التي كبلتنا اقتصاديا وارتهنت السيادة السياسية بارتهان السيادة الاقتصادية وبالتداين.

والمطلوب اليوم، مواجهة هذا التاريخ وهذه الحقائق بكل شجاعة، لم نأت لإعادة نصب “المشانق الافتراضية ” ولا لمحاكمة أي جهة، نريد أن نفهم ما الذي حصل لنا ولماذا؟

واليوم مثل الجزائر طالبت فرنسا بالاعتذار على جرائم الاستعمار، من حقنا نحن كذلك أن نطلب الاعتذار منها، ومن حقنا أيضا أن نطالب بالتعويض وليس فقط بالاعتذار.