ورشة تبادل حول استتباعات اتفاقيات الاستقلال وتأثيراتها اللاحقة على حقوق الانسان

نظّمت لجنة حفظ الذاكرة الوطنية بهيئة الحقيقة والكرامة اليوم الخميس 19 أفريل 2018 ورشة تبادل ونقاش حول استتباعات الوثائق المتعلقة الاستقلال وتأثيرها على حقوق الانسان تم خلالها عرض وثائقي أنتجته الهيئة ضمن جلسة الاستماع العلنية الخاصة بالانتهاكات التي رافقت أحداث الاستقلال، قبل أن يقدم المؤرخ صغير الصالحي مداخلة بعنوان “من الاستقلال إلى الاستعمار الداخلي”.

وأكدت رئيسة الهيئة خلال الورشة أنه ليس هناك رغبة لتصفية الحسابات من خلال نشر الوثائق التي نفذت إليها الهيئة، بل لفهم الانتهاكات وسياقها، وفهم أسباب نكران المقاومين وتقسيمهم بتسمية البعض منهم بالمقاومين والبعض الآخر بعصابة المفسدين.

وأضافت ان هدف الهيئة طي صفحة من تاريخنا لا تسعى الى توارث الأحقاد، مؤكدة الدعوة للمؤرخين لإعادة تصحيح التاريخ وإعادة صياغته وان الهيئة لا تلعب دور المؤرخ.

ومن جهته، أشار رئيس لجنة حفظ الذاكرة الوطنية عادل المعيزي الى ما أثاره نشر الهيئة لوثيقة الاستقلال من ضجة في الرأي العام، حيث أصبح التشكيك في الاستقلال هو السمة ومداولة لدى الساسة ووسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي.

وأكد رئيس اللجنة ان القول بالتشكيك غير دقيق ولا علاقة له بعمل هيئة الحقيقة والكرامة.

وأوضح ان ما تقوم به الهيئة هو كشف حقيقة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان استنادا للقانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 في الفصل 17 منه والذي يشير الى ولاية الهيئة، مؤكدا أن العودة الى سنة 1955 ليست بإرادة الهيئة أو مجلس الهيئة وانما فرضها القانون.

وأضاف المعيزي أن هذا الفرض القانوني له مبرراته العلمية باعتبار أن كشف حقيقة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان تتطلب البحث في الظروف والملابسات المحيطة بها طبقا للفصل 4 من القانون المنظم للعدالة الانتقالية.

وأكد أن القول بأن الغاية من نشر وثائق الاستقلال هو تقسيم الشعب التونسي والدفع نحو الصراع فيه مغالاة، مشيرا إلى أن الانقسام حول الوثائق حدث منذ بداية تأسيس دولة الاستقلال وفرض رواية وحيدة وأقصى كل الرايات الأخرى المناقضة لما يسمى بالسردية الرسمية.

وأفاد رئيس اللجنة أن الهيئة ليست إزاء كتابة التاريخ وانما بكشف الانتهاكات الجسيمة التي حدثت في الماضي، حيث أن كشف حقيقة الانتهاكات يتم عن طريق جملة من الاليات، موضحا أن هذا العمل لا يمكن ان يكون عمل المؤرخين أو دارسي التاريخ وهي الأعمال القضائية أو حتى القضائية.

كما أشار الى وجود ازدواجية في الرواية حول الاستقلال، حيث يثار الحديث عن وجود حرب أهلية، في حين أن السردية الوطنية تنفي هذه الرواية بل تشير الى وجود خونة تمت معاقبتهم، مفيدا أن هذه الحقائق لا تتعلق بمجرد حق فردي للضحايا أو أسرهم بل أن الحق في معرفة الحقيقة تاريخي يقابله واجب حفظ الذاكرة في سبيل الحماية من تشويه التاريخ اأ اعتماد رؤية تاريخية تضليلية.

ودعا رئيس اللجنة الى صيانة هذه المعرفة باتخاذ التدابير اللازمة من نظريات تحرّف الواقع وتنكره.

وقال إن حفظ الذاكرة يتم من خلال الأنشطة التي تذكّر بما حدث من أجل تجنب تكراره في المستقبل، ومن خلال كتابة تاريخ الانتهاكات واعتماد مناهج متعددة والتدابير ذات الصبغة الرمزية ونشر التقارير ذات العلاقة بالانتهاكات على نطاق واسع من أجل اطلاع العموم على ما حدث في الماضي وحفظ ميراث الهيئة والأرشيفات المتصلة بحقوق الانسان عبر اتخاذ إقرار عقوبات على اتلافها وتحويل وجهاتها والاتجار بها سرّا.

كما دعا الى جرد الوثائق التي تحصلت عليها والمتصلة بحقوق الانسان بالإدارات الأخرى والتي لم تتحصل الهيئة على نسخ منها، وإلى اتاحة هذه الأرشيفات في حدود ما يسمح به القانون الذي يجب تحويره.

وفي مداخلته، بالمناسبة أكد الباحث الصغير الصالحي أن أبرز ما يثير الاهتمام في وثيقة الاستقلال هو انه لم يتم المصادقة عليها أو نشرها في الرائد الرسمي.

وقال إن مسار الاستقلال كان متنوعا وأصبح مطلبا منذ مؤتمر ليلة القدر سنة 1946، حيث جمع كل مكونات المشهد التونسي وأشار الى الفوارق الكبرى في الظواهر الاجتماعية والاقتصادية بين الجهات.

وأوضح الباحث ان الصراع اليوسفي البورقيبي كان في ظاهره صراع على السلطة لكنه كان صراع استمرار دولة البيروقراطية التي يمثلها بورقيبة من جهة والحركة اليوسفية في عمقها الاجتماعي، مؤكدا ان فرنسا اختارت الشق البورقيبي لأنها رأت في انتمائه حماية لمصالحها.

وأشار الصالحي الى علاقة افرازات الصراع اليوسفي البورقيبي بخيارات التنمية.

كما قدم المختص في التاريخ بلجنة حفظ الذاكرة الوطنية مسار الاستقلال من خلال الاتفاقيات بين 1955 و1960، أفاد فيها أن مسار مقتضيات الاتفاقيات لم يكن واضحا من الجانب الفرنسي الذي بدا غير مقتنع بضرورة خروجه من البلاد التونسية.

فيما قدمت ممثلة عن لجنة البحث والتقصي تمشي اللجنة في معالجة هذه الملفات التي بلغت 4009 ملف خاص بالمقاومين واهاليهم، مستعرضة معالجة اللجنة لملفات هذه الحقبة التاريخية انطلاقا مما ورد فيها وبالاستماع الى الشهادات الخاصة بها.