العدالة الانتقالية في تونس – الانتقال إلى ماذا؟

هيومن رايتس وتش – 14 يناير/كانون الثاني، ذكرى الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي في 2011 ، أصبح يوما وطنيا في تونس. وهو مناسبة لمراجعة سير الأمور في البلد الذي أشعل “الربيع العربي” – والبلد الوحيد الذي لم تَحِد ثورته عن طريقها.

تتزامن هذه الذكرى اليوم مع محطة جوهرية في عملية الانتقال التونسية: إنهاء الهيئة الموكلة بكشف الحقيقة مهمتها التي دامت 4 سنوات. “هيئة الحقيقة والكرامة” (الهيئة)، وهي لجنة مستقلة استُحدثت بموجب قانون 2013 لإرساء العدالة الانتقالية، ستنشر في الأسابيع القليلة المقبلة تقريرها الضخم حول قمع السلطة بين 1956 و2013، وترفع توصيات بإصلاحات مؤسسية لتفادي الانزلاق مجددا نحو الديكتاتورية. وحوّلت الهيئة بعض القضايا إلى “دوائر متخصصة” أنشأها القانون لمحاكمة المتهمين. ومن التوصيات، التعويض على آلاف ضحايا التعذيب والسجن السياسي بالإضافة إلى انتهاكات خطيرة أخرى، بالرغم من عدم تأمين التمويل لها بعد.

غير أن ردود الفعل متضاربة حول كيفية معالجة الهيئة للماضي الأليم، بدل الاحتفاء بعملها كمَعلَم على طريق الديمقراطية، ما يهدد مستقبل العدالة الانتقالية.

تتخذ هيئات الحقيقة أشكالا متعددة، لكنها تنطلق جميعا من الاعتراف بماضي الأمة المظلم ومعالجته بحثا عن مستقبل أكثر عدلا. والهيئة التونسية للحقيقة هي الوحيدة التي نتجت عن الانتفاضات العربية، والثانية فقط في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. الأولى، “هيئة الإنصاف والمصالحة” المغربية والتي أنشأها الملك محمد السادس في 2004 لتحقق في الانتهاكات خلال ولاية أبيه حسن الثاني التي اتسمت بالعنف.

تُشكل هيئة الإنصاف والمصالحة حالة شاذة بين هيئات الحقيقة، لأنها عملت في إطار استمرارية الحكم وليس تغييره. وفي حين أنها وثّقت الفظاعات المرتكبة خلال ولاية الملك السابق ووضعت أسسا للتعويض، منعها تفويضها من تسمية المرتكبين والتوصية بمحاكمتهم. ولم تستطع توصيات الهيئة حول الحكم، والتي نفذتها الدولة بفتور، إيقاف القمع.

في المقابل، نشأت هيئة الحقيقة التونسية من رغبة حقيقية بتغيير النظام، أوصلت إلى حكم ديمقراطي ودستور تقدمي وازدهار حرية التعبير. ومن عوامل نجاح الجهود التونسية، إشراك “حزب النهضة” الإسلامي، الذي شكل أعضاؤه العدد الأكبر من ضحايا القمع في الماضي، في التحالف الحاكم الذي خطّ مسودة قانون العدالة الانتقالية.

أجرت الهيئة، التي ترأسها الحقوقية البارزة سهام بن سدرين، نحو 50 ألف مقابلة شخصية مع الضحايا، وحوّلت عشرات القضايا إلى الدوائر القضائية المتخصصة. وعقدت جلسات علنية للضحايا نقلها التلفزيون الوطني.

غير أنه بعد انتخابات 2014، تعرضت الهيئة لانتقادات من سياسيين ومسؤولين، لا سيما أعضاء “نداء تونس”، الحزب الأكبر في التحالف الحاكم. يضم نداء تونس العديد من المسؤولين السابقين خلال ولاية بن علي الذين، في أفضل الأحوال، لديهم مشاعر مختلطة حيال هيئةٍ مهمتها الكشف عن فظاعات الماضي من ضمنها الفساد.

أعلن الرئيس باجي قائد السبسي، الذي تقلد مناصب رفيعة خلال حكم بن علي والرئيس المؤسس بورقيبة، خلال حملته الانتخابية الناجحة في 2014 معارضته تصفية حسابات الماضي، وإيمانه بضرورة مضيّ تونس قدما. بُعيد انتخابه، أدخل السبسي تشريعات تلغي بعض الجرائم الاقتصادية من اختصاص الهيئة وتضمن العفو لبعض المسؤولين السابقين الفاسدين. أُقر ما يسمى “قانون المصالحة الإدارية” بعد تعديله في 2017.

رئيس الوزراء يوسف الشاهد، مثل السبسي، قاطع الجلسة الختامية للهيئة. وأعلن أن الهيئة فشلت في مهمتها، وانتقد الدوائر المتخصصة، ووعد باقتراح قانون جديد للعدالة الانتقالية.

حتى حزب النهضة أظهر ترددا في خضم الحسابات السياسية، بحسب مراقبين سياسيين، لا سيما قبل الانتخابات التشريعية والرئاسية هذا العام. بالرغم من اعتراض بعض نواب حزب النهضة، التقت قيادته مع نداء تونس في دعم قانون العفو عن الجرائم الاقتصادية المثير للجدل، ما ضَمِن إقراره. أعلن رئيس النهضة راشد الغنوشي دعمه لعفو عام عن الأشخاص الذين يعترفون بجرائمهم ويعتذرون عنها.

كانت للهيئة شوائبها، ولكن أغلب المجتمع المدني التونسي يدعمها في وجه الجهود الرامية إلى تقويض عملها. ينتهي عمل الهيئة في يناير/كانون الثاني، حيث سترفع تقريرها إلى الحكومة والذي سيتضمن توصيات حول التعويضات وإصلاح الأمن ومؤسسات حكومية أخرى.

يفترض قانون العدالة الانتقالية أن تضع الحكومة برنامجا لتنفيذ هذه التوصيات وتقدمه إلى البرلمان. فهل ستقوم بذلك؟ أظهرت الحكومة حتى الآن تلكؤا في إلغاء القوانين القمعية التي لا تزال سارية، بما فيها تلك التي تعاقب حرية التعبير.

وستنقل الهيئة المصادر التاريخية التي جمّعتها، والتي تشكل ثروة، إلى الأرشيف الوطني أو مكان آخر يُنشأ خصّيصا لهذا الغرض. لم تقرَّر بعد وجهة هذا الإرث التونسي وطريقة حفظه وإتاحته للجمهور.

في هذه الأثناء، تواجه المحاكمات الناتجة عن عمل الهيئة العديد من الحواجز مثل، عدم القدرة على إجبار المتهمين والشهود على الحضور. في أول قضية في محكمة متخصصة، قضية وفاة تحت التعذيب، لم يحضر أيٌّ من المتهمين الـ14. وقد صرّحت نقابة شرطة واحدة على الأقل بأن هذه المحاكم “مهينة” للأجهزة الأمنية وحثّت أعضاءها على مقاطعتها.

العدالة الانتقالية تواجه خطر التلاشي، في بلد كان يبدو أنه المكان الملائم لها، وسط عدم اكتراث القادة السياسيين إن لم يكن أخطر من ذلك. إذا أراد المواطنون التونسيون فصلا جديدا من عملية العدالة الانتقالية يكون أقوى من الذي سبقه، بحيث يؤمن اعترافا أوسع بالماضي ومحاسبة المرتكبين وضمانات أقوى للمستقبل، فعليهم أن يعبرّوا عن مطالبهم في حملة الانتخابات القادمة.

https://www.hrw.org/ar/news/2019/01/22/326855

 

الدوائر القضائية المتخصصة/ العدالة الانتقالية/ هيئة الحقيقة والكرامة
Comments (0)
Add Comment