مجلس نواب الشعب يتحدّى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين

مجلس نواب الشعب يتحدى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين و يبقي على الفصل 33 من مشروع القانون المتعلق بالأحكام المشتركة بين الهيئات الدستورية المستقلة

******

صادق مجلس نواب الشعب بتاريخ 26 أكتوبر 2017 من جديد علي مشروع القانون الأساسي عدد 30/2016  المتعلق بالأحكام المشتركة بين الهيئات الدستورية المستقلة بعد أن كانت الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين قبلت الطعن في دستوريته و أصدرت قرارها عدد 04/2017 بتاريخ 8 أوت 2017 القاضي بعدم دستورية الفصل 33 من المشروع وما تبعه من تنصيص عليه بالفصلين 11 و24 من نفس المشروع.

ذلك أن الفصل 33 في صيغته الأولي المصادق عليها بتاريخ 05 جويلية 2017 يخول لمجلس نواب الشعب سحب الثقة من مجلس الهيئة الدستورية المستقلة أو عضو أو أكثر بقرار من ثلثي أعضائه في أجل أقصاه 15 يوما من تقديم طلب معلل من ثلث أعضاء مجلس نواب الشعب.

وقد اعتبرت الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين أنه « … خلافا لما دفعت به الحكومة فإنّ سحب الثقة التي اقتضاها الفصل 33 من المشروع يتنافى ومبدأ استقلالية الهيئات الدستورية طالما أنه لا يحقق التناسب المطلوب بين مبدأي المساءلة والاستقلالية كما يتنافى ومقتضيات مساءلة هذه الهيئات المنصوص عليها بالدستور مما يتجه معه التصريح بعدم دستورية الفصل 33 من المشروع وما تبعه من تنصيص عليه بالفصلين 11 و24 من نفس المشروع ».

و علي ضوء هذا القرار القاضي بعدم دستورية مشروع القانون تم إرجاع هذا المشروع إلي مجلس نواب الشعب و عرضه علي المناقشة داخل لجنة التشريع العام و قد تمحورت الآراء صلب اللجنة كما يلي:

-رأي أول اعتبر أنه من الضروري الامتثال إلى ما قضت به الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين وذلك بالتخلي عن آلية سحب الثقة وحذف الفصل33 .

-رأي آخر اتجه إلى الإبقاء على آلية سحب الثقة من قبل مجلس نواب الشعب وذلك بإثارتها من ثلث أعضاء المجلس على أن يتمّ استشارة المحكمة الإدارية في الغرض قبل عرضها على الجلسة العامة .

-رأي أخر اعتبر أن قرار الهيئة الوقتية يشوبه العديد من الغموض واقترح طلب شرح وتفسير من الهيئة لمقتضيات قرارها .

و في خاتمة أشغالها قررت اللجنة بأغلبية لم يتم توضيح نوعيتها الإبقاء علي الفصل 33 مع الاكتفاء بتغيير عبارة سحب الثقة بإعفاء.

و تم عرض هذا المقترح بالسرعة القصوى في اليوم الموالي علي الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب بالرغم من أنه لم يسبق أن تم إدراجه في جدول أعمال جلسة يوم 26 أكتوبر و قد استند رئيس المجلس في ذلك إلي الفصل 110 من النظام الداخلي للمجلس الذي يسمح بتعديل جدول أعمال الجلسة من قبل أغلبية الحاضرين.

و تمت المصادقة علي المقترح اللجنة مع إدخال تعديلات قامت بها الحكومة باعتبارها جهة المبادرة. وهذه التعديلات تتمثل في الترفيع في المدة التي يجب أن يبت فيها المجلس في قرار الإعفاء من ثلاثين إلى ستين يوما من تاريخ تقديم الطلب المعلل وبعد الاتصال بمجلس نواب الشعب بالرد الكتابي للعضو المعني على طلب الإعفاء الذي يجب أن يرد على مجلس نواب الشعب في أجل أقصاه شهر من تاريخ إعلامه بالطلب المشار إليه.

و من الواضح أن الصيغة الجديدة المصادق عليها من طرف الجلسة العامة لا تحقق التناسب المطلوب بين مبدأي المساءلة والاستقلالية الذي ينص عليه الدستور. فالمساءلة و إن كانت ضرورية لا تستطيع أن تصل الي حد سحب الثقة لأن من مقومات الاستقلالية هو ان يتم انتخاب العضو لمدة نيابية واحدة غير قابلة للتجديد و غير قابلة للفسخ و هذا ما هو معمول بها في جل الدول الديمقراطية و لقد كرسه دستور 2014 بصفة صريحة فيما يتعلق بالمحكمة الدستورية التونسية

هذا علاوة علي أنه لا يحق  لنفس الجهة التي تتولي اختيار أعضاء الهيئات المستقلة أن تقوم باقالتهم لأن في ذلك تغول للسلطة حتي و ان كانت السلطة التشريعية. فمبدا التوازن الذي يقوم عليه النظام السياسي يقتضي أن تحد السلطة السلطة و و جود سلطة فوق السلط يفتح الباب لكل التجاوزات و لا يحقق الديمقراطية.

كما أن التعديل المصادق عليه لا يضمن بصفة فعلية حقوق الدفاع. ذلك أن المشروع اكتفي بتمكين  العضو المعني بسحب الثقة بالرد كتابيا علي ما هو منسوب اليه من اخلالات والمعلوم أنه  ليس هناك إمكانية طعن في قرار مجلس نواب الشعب.

و السؤال المطروح اليوم لماذا هذا الأصرار من قبل السلطتين التشريعية و التنفيذية  علي قبر التجربة الناشئة للهيئات الدستورية المستقلة في تونس و لصالح من يتم ذلك. المتأكد أن ذلك لا يخدم بناء الديمقراطية بل في صالح القوي التي تسعي اليوم لعودة الاستبداد و قد تقدمت أشواطا في ذلك  وصلت إلي حد تحدي الهيئة الدستورية الوقتية لمراقبة مشاريع القوانين و قي ذلك مؤشر خطير لما سيكون عليه الأمر بالنسبة للمحكمة الدستورية التي طال انتظار إنشاءها وهي أيضا هيئة الدستورية و مفروض أن تكون أم الهيئات و راعية لها,

فعلا نحن أمام سابقة خطيرة و من المفروض أن ننتظر من النواب الذين طعنوا في المرة الأولي في دستورية مشروع القانون أن يتولوا الطعن من جديد في المشروع الذي تمت المصادقة عليه من طرف الجلسة العامة المنعقدة بتاريخ 26 أكتوبر و عندئذ سوف يكون هناك احتمالين إما أن تقبل الهيئة الوقتية الطعن و تتواصل عملية لي الأذرع من طرف السلطة التشريعية أو أن تتراجع السلطة التشريعية و تلغي الفصل 33 و يشكل ذلك محطة هامة في تحقيق الديمقراطية.

رشيدة النيفر

 

https://ennaiferrachida.wordpress.com/2017/10/30/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%

 

 

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية, المصالحة. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *