منظومة الاستبداد والفساد موروثة عن المستعمر

المفكرة القانونية: بعد سنوات من العمل، كيف تقيمون تصور العدالة الانتقالية من قبل المشرع التونسي، سواء من ناحية تحديد الفترة الزمنية المعنية بتلك العدالة الزمنية أو من ناحية الانتهاكات المشمولة فيها أو من ناحية مخرجاتها؟

سهام بن سدرين: وجهت العديد من الانتقادات لقانون عدد 53 الخاص بالعدالة الانتقالية من قبل أطراف محلية ودولية . خلال فترة وضع القانون، كنت من بين الذين عارضوا فكرة شمل القانون لفترة حكم الرئيس الحبيب بورقيبة ضمن عمل الهيئة. اعتقدت حينها أن ذلك سيصعّب العمل بشكل كبير ولن يحقق أثرا يستحق بذل ذاك الجهد. ولكن اليوم، بعد خمس سنوات من العمل في هذا المجال، بإمكاني القول أنّ التنصيص على كلّ تلك الحقبة كان يستند إلى رأي وجيه. كما أنّ تعدّد الانتهاكات جعل من العودة لتلك الفترة أمرا ضروريا.

فقد نص القانون عدد 53 أنّه من ضمن مهام الهيئة تهيئة الشروط اللازمة لتحقيق المصالحة الشاملة وتفكيك منظومة الاستبداد والفساد. وهنا تكمن أهمية الرجوع للفترة البورقيبية في عملنا. تلك الفترة تجيبنا على سؤال متى انطلق الاستبداد – والجواب عن هذا السؤال هو بمثابة الخيط الأول الذي يوصلنا لمعرفة سياقات الاستبداد المتعددة والتي استمرت ما بعد بورقيبة. فخلال عملنا، خصوصا العمل المتعلق بدراسة ملفات الانتهاكات التي قدمها التونسيون للهيئة، وجدنا أن زين العابدين بن علي ورث منظومة الاستبداد البورقيبية. كما وجدنا أن بورقيبة لم يوجد هذه المنظومة بنفسه بل ورثها هو أيضا عن المستعمر. دعني هنا أشرح الفوارق بين العهود الثلاثة بخصوص آليات الاستبداد التي يمكن اختصارها في الجهاز الأمني والجيش والقضاء. فيما يخص الأمن، ورثت تونس وزارة الداخلية عن المستعمر الفرنسي. وحتى سنة 1958، أي بعد الاستقلال بسنتين، ظل أمنيون فرنسيون يتولون عمليّات الاستنطاق والإشراف على أجهزة وزارة الداخلية. بالنسبة للجيش، تشكل الجيش التونسي من رحم الجيش الفرنسي. فالعناصر التي أنيطت بها مهمّة قيادة الجيش الوطني التونسي كانت من فيالق فرنسية وجّهت أسلحتها سابقا ضد المواطنين التونسيين. أما بالنسبة للقضاء، فنجد الخلل في مقارنة اتفاقيات الاستقلال الداخلي لسنة 1955 وهي مذّكرة تحتوي أكثر من 200 صفحة مُصادق عليها من قبل البرلمان الفرنسي والباي التونسي وبروتوكول سنة 1956 الذي أعلن بموجبه الاستقلال التام لتونس وهو عبارة عن صفحة واحدة غير مُصادق عليها رسميا. ينص بروتوكول 56 أن تطبيق اتفاقيات 55 تبقى سارية المفعول ما لم تلغَ بموجب اتفاقيات أخرى. الأمر الذي يعني أن أغلب ما ورد في اتفاقيات 1955 مازال ساري المفعول إلى اليوم، إلاّ تلك التي تم تعديلها في السنوات اللاحقة. كل ذلك مكَن المستعمر الفرنسي من المحافظة على امتيازاته ومصالحه. الاتفاقية الوحيدة التي تم تعديلها فورا بعد الاستقلال هي اتفاقية القضاء. ففي سنة 1957، تمّ وضع اتفاقية جديدة للقضاء. تم بموجب الاتفاقية الجديدة إلغاء كل من القضاء الشرعي، القضاء الخاص باليهود والقضاء الخاص بالفرنسيين ليتنزل ضمن قضاء واحد مستقل. وهذا كان من أكبر إنجازات دولة الاستقلال. حيث بدأ بناء دولة تونس الحديثة من خلال سلطة قضائية مستقلة. ولكن مع مرور الوقت لم يجد بورقيبة أريحية في كون القضاء مستقلّا عن سلطته. لذلك أوجد أربعة أنواع من القضاء الموازي: المحكمة الشعبية، المحكمة العليا، القضاء العسكري وقضاء أمن الدولة.

أمّا بن علي، فلم يلجأ إلى القضاء الموازي، بل حاول الهيمنة على مفاصل السلطة القضائية من خلال السيطرة على بعض القضاة وربط عملهم بالسلطة السياسية. استطاعت الهيئة الوصول إلى أوراق رسمية توثق كل ذلك بعدما تمكنا من الولوج إلى الأرشيف بعد صراعات طويلة مع بعض الإدارات العامة. هذا بالنسبة إلى أهمية الرجوع إلى فترة الخمسينيات في عمل الهيئة، أما بالنسبة لأنواع الانتهاكات والفساد المالي، فلذلك أيضا أهمية كبرى سأشرحها لاحقا. في الواقع، من خلال عملنا كهيئة توصلنا إلى حقيقة في غاية من الأهمية وهي الارتباط الوثيق بين انتهاكات حقوق الإنسان والفساد المالي. سأعطي أمثلة على ذلك مرسوم المصادرة الذي تمّ إصداره سنة 1958 والقاضي بمصادرة أموال وممتلكات الباي بعد تنحيته في نفس السنة، تم استغلاله لاحقا من قبل أطراف رسميّة عديدة من بينهم زوجة الحبيب بورقيبة. فسنة 1969، تم استخدام هذا المرسوم للاستيلاء على أرض يملكها شقيق منصف باي، وهو من أحد أهم وأبرز بايات تونس، في منطقة سيدي بوسعيد لصالح السيدة وسيلة زوجة بورقيبة.

هذا المثال وهنالك غيره يدّل على أن سياسة تغيير صبغة الأراضي كانت أول أشكال الفساد المالي. كما أن سياسة الخوصصة (الخصخصة) استعملت كثيرا للاستيلاء على أموال عمومية لفائدة الأشخاص. ناهيك عن الصفقات العمومية التى كان يستفيد من أموالها أشخاص مقربين من الطبقة الحاكمة. فمؤسسة الطيران التونسي العمومية كان على رأسها ابن عم وسيلة بورقيبة، الذي تبين أنه من المتورطين بقضايا فساد في الصفقات العمومية التي عقدت لصالح تلك المؤسسة. من خلال هذه الأمثلة وغيرها، استنتجنا نحن كهيئة أن عددا كبيرا من انتهاكات حقوق الإنسان كان دافعها الأساسي الفساد المالي.إسكات الناس خوفا من اعتراضاتهم على الفساد المالي، كان سببا في تعرضهم للانتهاكات.

أنهي إجابتي على هذا السؤال بحديثي عن أهمية تضمين قضية تزوير الانتخابات ضمن أعمال الهيئة. بالرغم من أن أيا من هيئات الحقيقة المنشأة في العالم لم يشتغل في تزوير الانتخابات، إلا أن تجربتنا بينت أهمية عمل هيئتنا على هذه القضية بحيث أصبح اليوم لدينا دليل مادي على التزوير الانتخابات في العهود السابقة وليس فقط شائعة أو خطاب سياسي أو تكهنات. الأمر الذي يضمن عدم تكرارها في المستقبل. فعندما نقول إن آلية من آليات الاستبداد هي افتكاك سيادة الشعب للحصول على الشرعية من خلال تزوير الانتخابات فهي حقيقة ولدى الهيئة اليوم وثائق وأدلة مادية على ذلك.